النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ماهو معني البرزخ

السؤال ماهو عالم البروخ وهل يوجد عالم الذر وهل حقيقه تلتقي الارواح في عالم الذر قبل عالم الارحام كل من

  1. #1
    ريوف Guest

    عالم البرزخ والذر ابي تفاعل

    السؤال ماهُو عالم البروخ


    وهل يُوجدَ عالم الذر




    وهل حقيقه تلتقي الارواح فِي عالم الذر قَبل عالم الارحام




    كل مِن يجدَ اجابه أو معلومه يفدني بيها



    ودمتم بخير



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    2,454

    رد: ماهو معني البرزخ

    اختي ريوف سؤالك هَذا وجدت لك جوابه عِندَ الشيخ الفاضل حامدَ العلي فِي موقعه علي النت وقدَ اجاب علي سؤال مشابه واطال فِي الجواب وانقله بنصه للفائدة للجميع وجميع ماقاله الشيخ هُو ما يعتقده اهل السنة والجماعة فِي هَذه المسالة--------------------------------------------------------------------------------
    --------------------------------------------------------------------------------

    السؤال:

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    انا شَاب مغترب للدراسه مِن سلطنه عمان / وسؤالي عَن الروح بَعدَ الموت ماذَا يحل بها هَل تبقي مَع الانسان فِي القبر ام ترفع الي السماء/ لان هَذا السؤال كَان محل جدل بيني وبين بَعض الاشخاص الَّذِين يدينون بغير دَيانه الاسلام/

    والله الموفق

    ********************

    جواب الشيخ:

    الحمدَ لله والصلآة والسلام علي نبينا محمدَ وعلي اله وصحبه وبعدَ عندما يموت ابن ادم تفارق روحه جسده
    وتبقي فِي عالم البرزخ
    وهي مرحلة بَين الدنيا والاخرة
    تَكون ارواح الموتي فيها
    وهو عالم روحاني
    لا يقاس ما فيه علي عالم الدنيا المادي
    فلا تحكمه قوانين الزمان والمكان والمادة
    بل هُو عالم آخر لَه احواله الَّتِي نجهلها
    لكن جاءَ عَن نبينا صلي الله عَليه وسلم مِن ذلِك اخبار تصف بَعض تلك الاحوال
    فعلينا الايمان بذلِك بالتسليم التام


    ومجموع الاخبار النبوية فِي هَذا الباب
    تدل علي ان مستقر الارواح يختلف
    فالارواح متفاوته اعظم التفاوت
    مِنها ارواح فِي اعلي عليين وهي ارواح الانبياءَ
    ومِنها ارواح تسرح فِي الجنة وهي ارواح الشهداء
    ومِنها ارواح معلقة فِي شَجر الجنة
    وهي ارواح بَعض المؤمنين
    ومِنها ارواح محبوسة فِي القبر
    لكن ياتيها مِن روح الجنة وريحها وطيبها


    ومِنها ارواح محبوسة فِي قبرها تعذب
    فهَذه قَدَ يَكون عذابها أنها فِي تنور الزنآة
    او فِي بحر الدم
    ومن هَذه ارواح تعرض علي جهنم غدوا وعشيا كارواح ال فرعون
    ومن علي شَاكلتهم
    فالارواح مستقرها ليس واحدا
    بل هِي متفاوتة
    الروح الَّتِي كَانت علوية فِي الدنيا
    مشتغلة بمحبة الله تعالي وطاعته
    يَكون لَها ما يناسبها مِن حيآة البرزخ


    والروح الَّتِي كَانت سلفية مشتغلة بالشهوات
    يَكون لَها فِي البرزخ مستقر يناسب ما كَانت عَليه مِن السفول والعذاب


    غير ان جميع الارواح بَعدَ الموت
    تَكون محبوسة فِي عالم البرزخ
    لا يُمكنها ان تعودَ الي الدنيا
    كَما قال تعالي ومن ورائهم برزخ الي يوم يبعثون


    هَذا هُو الصحيح الَّذِي تدل عَليه النصوص القرانية والنبوية


    تتمة وزيادة تفصيل


    ولكن لما كَانت هَذه المسالة فيها عدة اقوال وقدَ بسط القول فيها ابن القيم رحمه الله فِي كتاب الروح بما لامزيدَ عَليه
    ولا يُوجدَ مجموعا فِي كتاب آخر
    فاني لخصت ما ذكره رحمه الله تعالي
    من اقوال الناس فِي هَذه المسالة
    وما خلص اليه مِن القول الصحيح
    وهَذا ملخص ما ذكره رحمه الله

    المسالة الخامسة عشرة


    وهي أين مستقر الارواح ما بَين الموت الي القيامة هَل هِي فِي السماءَ ام فِي الارض وهل هِي فِي الجنة ام لا وهل تودع فِي اجسادَ غَير اجسادها الَّتِي كَانت فيها فتنعم وتعذب فيها ام تَكون مجردة


    هَذه مسالة عظيمة تكلم فيها للناس واختلفوا فيها وهي إنما تتلقي مِن السمع فَقط واختلف فِي ذلِك

    ** فقال قائلون ارواح المؤمنين عِندَ الله فِي الجنة شَهداءَ كَانوا ام غَير شَهداءَ إذا لَم يحبسهم عَن الجنة كبيرة ولا دَين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لَهُم وهَذا مذهب ابي هريرة وعبدَ الله بن عمر رضي الله عنهم.

    ***وقالت طائفة هُم بفناءَ الجنة علي بابها ياتيهم مِن روحها ونعيمها ورزقها


    ***وقالت طائفة الارواح علي افنية قبورها

    ***وقال مالك بلغني ان الروح مرسلة تذهب حيثُ شَاءت
    وقال الامام احمدَ فِي رواية ابنه عبدَ الله ارواح للكفار فِي النار وارواح المؤمنين فِي الجنة.
    ** وقال ابو عبدَ الله بن منده وقال طائفة مِن الصحابة والتابعين ارواح المؤمنين عِندَ الله عز وجل ولم يزيدوا علي ذلك

    ***قال روي عَن جماعة مِن الصحابة والتابعين ارواح المؤمنين بالجابية وارواح الكفار ببرهوت بئر بحضرموت

    وقال صفوان بن عمرو سالت عامر بن عبدَ الله ابا اليمان هَل لانفس المؤمنين مجتمع فقال ان الارض الَّتِي يقول الله تعالي ولقدَ كتبنا فِي الزبور مِن بَعدَ الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون قال هِي الارض الَّتِي يجتمع اليها ارواح المؤمنين حتّى يَكون البعث وقالوا هِي الارض الَّتِي يورثها الله المؤمنين فِي الدنيا

    ** وقال كعب ارواح المؤمنين عليين فِي السماءَ السابعة وارواح الكفار فِي سجين فِي الارض السابعة تَحْت جندَ ابليس.

    ***وقالت طائفة ارواح المؤمنين ببئر زمزم
    وارواح الكفار ببئر برهوت.

    ***وقال سلمان الفارسي ارواح المؤمنين فِي برزخ مِن الارض تذهب حيثُ شَاءت
    وارواح الكفار فِي سجين
    وفي لفظ عنه نسمة المؤمن تذهب فِي الارض حيثُ شَاءت.

    ***وقالت طائفة ارواح المؤمنين عَن يمين ادم وارواح الكفار عَن شَماله.

    ** وقالت طائفة اخري مِنهم ابن حزم مستقرها حيثُ كَانت قَبل خلق اجسادها
    وقال والذي نقول بِه فِي مستقر الارواح هُو ما قاله الله عز وجل ونبيه لا نتعداه فَهو البرهان الواضح وهو ان الله عز وجل قال واذا اخذ ربك مِن بني ادم مِن ظهورهم ذريتهم واشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي شَهدنا ان تقولوا يوم القيامة أنا كنا عَن هَذا غافلين وقال تعالي ولقدَ خلقناكم ثُم صورناكم ثُم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فصح ان الله تعالي خلق الارواح جملة وكذلِك اخبر ان الارواح جنودَ مجندة فما تعارف مِنها ائتلف وما تناكر مِنها اختلف واخذ الله عهدها وشهادتها لَه بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قَبل ان يامر الملائكة بالسجودَ لادم وقبل ان يدخلها فِي الاجسادَ والاجسادَ يومئذ تراب وماءَ ثُم اقرها حيثُ شَاءَ وهو البرزخ الَّذِي ترجع اليه عِندَ الموت ثُم لا يزال يبعث مِنها الجملة بَعدَ الجملة فينفخها فِي الاجسادَ المتولدة مِن المني الي ان قال فصح ان الارواح اجسادَ حاملة لاغراضها مِن التعارف والتناكر البرزخ الَّذِي راها فيه رسول الله ليلة اسري بِه عِندَ سماءَ الدنيا ارواح اهل السعادة عَن يمين ادم وارواح اهل الشقاوة عَن يساره وذلِك عِندَ منقطع العناصر ويعجل ارواح الانبياءَ والشهداءَ الي الجنة
    قال وقدَ ذكر محمدَ بن نصر المروزي عَن اسحاق بن راهويه أنه ذكر هَذا الَّذِي قلنا بعينه قال وعلي هَذا اجمع اهل العلم.

    قال ابن حزم وهو قول جميع اهل الاسلام قال وهَذا هُو قول الله تعالي فاصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة واصحاب المشئمة ما اصحاب المشئمة والسابقون السابقون اولئك المقربون فِي جنات النعيم ثلة مِن الاولين وقليل مِن الاخرين وقوله تعالي فاما ان كَان مِن المقربين فروح وريحان وجنة نعيم الي خرها فلا تزال الارواح هنالك حتّى يتِم عدَدَ الارواح الي اجسادها ثانية وهي الحيآة الثانية يحاسب الخلق فريق فِي الجنة وفريق فِي السعير مخلدين ابدا انتهى

    ***وقال ابو عمر بن عبدَ البر ارواح الشهداءَ فِي الجنة وارواح عامة المؤمنين علي افنية قبورهم

    ونحن نذكر كلامه وما احتج بِه ونبين ما فيه.

    ***وقال ابن المبارك عَن ابن جريج فيما قرىء عَليه مِن مجاهدَ ليس هِي فِي الجنة ولكن ياكلون مِن ثمارها ويجدون ريحها


    ***وذكر معاوية بن صالح عَن سعيدَ بن سويدَ أنه سال ابن شَهاب عَن ارواح المؤمنين فقال بلغني ان ارواح الشهداءَ كطير خضر معلقة بالعرشَ تغدو وتروح الي رياض الجنة تاتي ربها فِي كُل يوم تسلم عَليه


    ***وقال ابو عمر بن عبدَ البر فِي شَرح حديث ابن عمر ان احدكم إذا مات عرض عَليه مقعده بالغدآة والعشي ان كَان مِن اهل الجنة فمن اهل الجنة وان كَان مِن اهل النار فمن اهل النار يقال لَه هَذا مقعدك حتّى يبعثك الله الي يوم القيامة قال وقدَ استدل بِه مِن ذهب الي ان الارواح علي افنية القبور وهو اصح ما ذهب اليه فِي ذلِك والله اعلم لان الاحاديث بذلِك احسن مجيئا واثبت نقلا مِن غَيرها.

    قال والمعني أنها قَدَ تَكون علي افنية قبورها لا علي أنها تلزم ولا تفارق افنية القبور كَما قال مالك رحمه الله أنه بلغنا ان الارواح تسرح حيثُ شَاءت
    قال وعن مجاهدَ أنه قال الارواح علي افنية القبور سبعة ايام مِن يوم دَفن الميت لا تفارق ذلِك والله اعلم

    ***وقالت فرقة مستقرها العدَم المحض وهَذا قول مِن يقول ان النفس عرض مِن اعراض البدن كحياته وادراكه فتعدَم بموت البدن كَما تعدَم سائر الاعراض المشروطة بحياته وهَذا قول مخالف لنصوص القران والسنة واجماع الصحابة والتابعين كَما سنذكر ذلِك ان شَاءَ الله.


    ** وقالت فرقة مستقرها بَعدَ الموت ارواح آخر تناسب اخلاقها وصفاتها الَّتِي اكتسبتها فِي حال حياتها فتصير كُل روح الي بدن حيوان يشاكل تلك الارواح فتصير النفس السبعية الي ابدان السباع والكلبية الي ابدان البهائم والدنية والسفلية الي ابدان الحشرات وهَذا قول المتناسخة منكري المعادَ وهو قول خارِج عَن اقوال اهل الاسلام كلهم.

    فهَذا ما تلخص لِي مِن جمع اقوال الناس فِي مصير ارواحهم بَعدَ الموت ولا تظفر بِه مجموعا فِي كتاب واحدَ غَير هَذا البتة ونحن نذكر ماخذ هَذه الاقوال وما لكُل قول وما عَليه وما هُو الصواب مِن ذلِك الَّذِي دَل عَليه الكتاب والسنة علي طريقتنا الَّتِي مِن الله بها وهو مرجو الاعانة والتوفيق


    دليل مِن قال ارواح المؤمنين فِي الجنة
    والفجار فِي النار


    فاما مِن قال هِي فِي الجنة فاحتج بقوله تعالي فاما ان كَان مِن المقربين فروح وريحان وجنة نعيم قال وهَذا ذكره سبحانه عقيب ذكر خروجها مِن البدن بالموت وقسم الارواح الي ثلاثة اقسام مقربين واخبر أنها فِي جنة النعيم واصحاب يمين حكم لَها بالاسلام وهو يتضمن سلامتها مِن العذاب ومكذبة ضالة واخبر ان لَها نزلا مِن حميم وتصلية جحيم قالوا وهَذا بَعدَ مفارقتها للبدن قطعا وقدَ ذكر سبحانه حالها يوم القيامة فِي أول السورة فذكر حالها بَعدَ الموت وبعدَ البعث واحتجوا بقوله تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي فِي عبادي وادخلي جنتي


    وقدَ قال غَير واحدَ مِن الصحابة والتابعين ان هَذا يقال لَها عِندَ خروجها مِن الدنيا يبشرها الملك بذلِك ولا ينافي ذلِك قول مِن قال ان هَذا يقال لَها فِي الاخرة فانه يقال لَها عِندَ الموت وعِندَ البعث وهَذه مِن البشري الَّتِي قال تعالي ان الَّذِين قالوا ربنا الله ثُم استقاموا تتنزل عَليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة الَّتِي كنتم توعدون وهَذا التنزل يَكون عِندَ الموت ويَكون فِي القبر ويَكون عِندَ البعث واول بشارة الاخرة عِندَ الموت.

    وقدَ تقدم فِي حديث البراءَ بن عازب ان الملك يقول لَها عِندَ قبضها ابشري بروح وريحان وهَذا مِن ريحان الجنة
    واحتجوا بما رواه مالك فِي الموطا عَن ابن شَهاب عَن عبدَ الرحمن بن كعب بن مالك اخبره ان اباه كعب بن مالك كَان يحدث ان رسول الله قال إنما نسمة المؤمن طائر تعلق فِي شَجر الجنة حتّى يرجعه الله الي حيآة يوم يبعثه


    قال ابو عمرو اما قوله نسمة المؤمن فالنسمة ها هُنا الروح



    قلت لا تنافي بَين قوله نسمة المؤمن طائر يعلق فِي شَجر الجنة وبين قوله ان احدكم إذا مات عرض عَليه مقعده بالغدآة والعشي ان كَان مِن اهل الجنة فمن اهل الجنة وان كَان مِن اهل النار فمن اهل النار وهَذا الخطاب يتناول الميت علي فراشه والشهيدَ كَما ان قوله نسمة المؤمن طائر يعلق فِي شَجر الجنة يتناول الشهيدَ وغيره ومع كونه يعرض عَليه مقعده بالغدآة والعشي تردَ روحه أنهار الجنة وتاكل مِن ثمارها
    واما المقعدَ الخاص بِه والبيت الَّذِي اعدَ لَه فانه إنما يدخله يوم القيامة ويدل عَليه ان منازل الشهداءَ ودورهم وقصورهم الَّتِي اعدَ الله لَهُم ليست هِي تلك القناديل الَّتِي تاوي اليها ارواحهم فِي البرزخ قطعا فهم يرون منازلهم ومقاعدهم مِن الجنة ويَكون مستقرهم فِي تلك القناديل المعلقة بالعرشَ فإن الدخول التام الكامل إنما يَكون يوم القيامة ودخول الارواح الجنة فِي البرزخ امر دَون ذلك.

    ونظير هَذا اهل الشقاءَ تعرض ارواحهم علي النار غدوا وعشيا فاذا كَان يوم القيامة دَخلوا منازلهم ومقاعدهم الَّتِي كَانوا يعرضون عَليها فِي البرزخ فتنعم الارواح بالجنة فِي البرزخ شَيء وتنعمها مَع الابدان يوم القيامة بها شَيء آخر فغذاه الروح مِن الجنة فِي البرزخ دَون غذائها مَع بدنها يوم البعث ولهَذا قال تعلق فِي شَجر الجنة أي تاكل العلقة وقام الاكل والشرب واللبس والتمتع فإنما يَكون إذا ردت الي اجسادها يوم القيامة فظهر أنه لا يعارض هَذا القول مِن السنن شَيء وإنما تعاضده السنة وتوافقه.

    دليل مِن قال ليس هِي فِي الجنة ولكن ياكلون مِن ثمارها ويجدون

    يحتج لهَذا القول بما رواه الامام احمدَ فِي مسنده مِن حديث ابن اسحق عَن عاصم بن عمر عَن محمودَ ابن لبيدَ عَن ابن عباس قال قال رسول الشهداءَ علي بارق نهر بباب الجنة فِي قبة خضراءَ يخرج عَليهم رزقهم مِن الجنة بكرة وعشية
    وهَذا لا ينافي كونهم فِي الجنة فإن ذلِك النهر مِن الجنة ورزقهم يخرج عَليهم مِن الجنة فهم فِي الجنة وان لَم يصيروا الي مقاعدهم مِنها فمجاهدَ نفي الدخول الكامل مِن كُل وجه والتعبير يقصر عَن الاحاطة بتمييز هَذا واكمل العبارة ادلها علي المرادَ عبارة رسول الله ثُم عبارة اصحابه وكلما نزلت رايت الشفاءَ والهدي والنور وكلما نزلت رايت الحيرة والدعاوي والقول بلا علم

    دليل قول مِن قال الارواح علي افنية قبورها

    ان ارادَ هَذا ان هَذا امر لازم لَها لا تفارق افنية القبور ابدا فهَذا خطا ترده نصوص الكتاب والسنة مِن وجوه كثِيرة قَدَ ذكرنا بَعضها وسنذكر مِنها ما لَم نذكره ان شَاءَ الله
    وان ارادَ أنها تَكون علي افنية القبور وقْتا اولها اشراف علي قبورها وهي فِي مقرها فهَذا حق ولكن لا يقال مستقرها افنية القبور

    وقدَ ذهب الي هَذا المذهب جماعة مِنهم ابو عمر بن عبدَ البر قال فِي كتابه فِي شَرح حديث ابن عمر ان احدكم إذا مات عرض عَليه مقعده بالغدآة والعشي وقدَ استبدل بِه مِن ذهب الي ان الارواح علي افنية القبور وهو اصح ما ذهب اليه فِي ذلِك مِن طريق الاثر الا تري ان الاحاديث الدالة علي ذلِك ثابتة متواترة وكذلِك احاديث السلام علي القبور
    قلت يُريدَ الاحاديث المتواترة مِثل حديث ابن عمر هَذا ومثل حديث البراءَ ابن عازب الَّذِي تقدم وفيه هَذا مقعدك حتّى يبعثك الله يوم القيامة ومثل حديث انس ان للعبدَ إذا وَضع فِي قبره وتولي عنه اصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم وفيه أنه يري مقعده مِن الجنة والنار وانه يفسح للمؤمن فِي قبره سبعين ذراعا ويضيق علي الكافر ومثل حديث جابر ان هَذه الامة تبلي فِي قبورها فاذا دَخل المؤمن مِن قبره وتولي عنه اصحابه اتاه ملك الحديث وانه يري مقعده مِن الجنة فيقول دَعوني ابشر اهلي فيقال لَه اسكن فهَذا مقعدك ابدا ومثل سائر احاديث عذاب القبر ونعيمه الَّتِي تقدمت ومثل احاديث السلام علي اهل القبور وخطابهم ومعرفتهم بزيارة الاحياءَ لَهُم وقدَ تقدم ذكر ذلِك كله
    وهَذا القول ترده السنة الصحيحة والاثار الَّتِي لا مدفع لَها وقدَ تقدم ذكرها وكل ما ذكره مِن الادلة.
    فَهو يتناول الارواح الَّتِي هِي فِي الجنة بالنص وفي الرفيق الاعلي وقدَ بينا ان عرض مقعدَ الميت عَليه مِن الجنة والنار لا يدل علي ان الروح فِي القبر ولا علي فنائه دَائما مِن جميع الوجوه بل لَها اشراف واتصال بالقبر وفنائه وذلِك القدر مِنها يعرض عَليه مقعده فإن الروح شَانا آخر تَكون فِي الرفيق الاعلي فِي اعلي عليين ولها اتصال بالبدن بحيثُ إذا سلم المسلم علي الميت ردَ الله عَليه روحه فيردَ عَليه السلام وهي فِي الملا الاعلي وإنما يغلط أكثر الناس فِي هَذا الموضع حيثُ يعتقدَ ان الروح مِن جنس ما يعهدَ مِن الاجسام الَّتِي إذا شَغلت مكانا لَم يُمكن ان تَكون فِي غَيره.
    وهَذا غلط محض بل الروح تَكون فَوق السموات فِي اعلي عليين وتردَ الي القبر فتردَ السلام وتعلم بالمسلم وهي فِي مكأنها هُناك وروح رسول الله فِي الرفيق الاعلي دَائما ويردها الله سبحانه الي القبر فتردَ السلام علي مِن سلم عَليه وتسمع كلامه وقدَ راي رسول الله موسي قائما يصلي فِي قبر وراه فِي السماءَ السادسة والسابعة فاما ان تَكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر

    واما ان يَكون المتصل مِنها بالقبر وفنائه بمنزلة شَعاع الشمس وجرمها فِي السماءَ وقدَ ثبت ان روح النائم تصعدَ حتّى تخترق السبع الطباق وتسجدَ لله بَين يدي العرشَ ثُم تردَ الي جسده فِي ايسر زمان وكذلِك روح الميت تصعدَ بها الملائكة حتّى تجاوز السموات السبع وتقف بَين يدي الله فتسجدَ لَه ويقضي فيها قضاءَ ويريها الملك ما اعدَ الله لَها فِي الجنة ثُم تهبط فتشهدَ غسله وحمله ودفنه وقدَ تقدم فِي حديث البراءَ بن عازب ان النفس يصعدَ بها حتّى توقف بَين يدي الله فيقول تعالي اكتبوا كتاب عبدي فِي عليين ثُم اعيدوه الي الارض فيعادَ الي القبر وذلِك فِي مقدار تجهيزه وتكفينه فقدَ صرح بِه فِي حديث ابن عباس حيثُ قال فيهبطون علي قدر فراغه مِن غسله واكفانه فيدخلون ذلِك الروح بَين جسده واكفانه.
    وقدَ ذكر ابو عبدَ الله بن منده مِن حديث عيسي بن عبدَ الرحمن حدثنا ابن شَهاب حدثنا عامر بن سعدَ عَن اسماعيل بن طلحة بن عبيدَ الله عَن ابيه قال اردت مالي بالغابة فادركني الليل فاويت الي قبر عبدَ الله بن عمر بن حرام فسمعت قراءة مِن القبر ما سمعت احسن مِنها فجئت الي رسول الله فذكرت ذلِك لَه فقال ذلِك عبدَ الله الم تعلم ان الله قبض ارواحهم فجعلها فِي قناديل مِن زبرجدَ وياقوت ثُم علقها وسَط الجنة فاذا كَان الليل ردت اليهم ارواحهم فلا يزال كذلِك حتّى إذا طلع الفجر ردت ارواحهم الي مكانهم الَّذِي كَانت به

    ففي هَذا الحديث بيان سرعة انتقال ارواحهم مِن العرشَ الي الثري ثُم انتقالها مِن الثري الي مكأنها ولهَذا قال مالك وغيره مِن الائمة ان الروح مرسلة تذهب حيثُ شَاءت ومايراه الناس مِن ارواح الموتي ومجيئهم اليهم مِن المكان البعيدَ امر يعلمه عامة الناس ولا يشكون فيه والله اعلم
    واما السلام علي اهل القبور وخطابهم فلا يدل علي ان ارواحهم ليست فِي الجنة وأنها علي افنية القبور فهَذا سيدَ ولدَ ادم الَّذِي روحه فِي اعلي عليين مَع الرفيق الاعلي عِندَ قبره ويردَ سلام المسلم عَليه وقدَ وافق ابو عمر رحمه الله علي ان ارواح الشهداءَ فِي الجنة ويسلم عَليهم عِندَ قبورهم كَما يسلم علي غَيرهم كَما علمنا النبي ان نسلم عَليهم وكَما كَان الصحابة يسلمون علي شَهداءَ احد

    وقدَ ثبت ان ارواحهم فِي الجنة تسرح حيثُ شَاءت كَما تقدم ولا يضيق عقلك عَن كون الروح فِي الملا الاعلي تسرح فِي الجنة حيثُ شَاءت وتسمع سلام المسلم عَليها عِندَ قبرها وتدنو حتّى تردَ عَليه السلام وللروح شَان آخر غَير شَان البدن وهَذا جبريل صلوات الله وسلامه عَليه راه النبي وله ستمائة جناح مِنها جناحان قَدَ سدَ بهما ما بَين المشرق والمغرب وكان مِن النبي حتّى يضع ركبتيه بَين ركبتيه ويديه علي فخذيه وما اظنك يتسع بظنك أنه كَان حينئذ فِي الملا الاعلي فَوق السموات حيثُ هُو مستقره وقدَ دَنا مِن النبي هَذا الدنو فإن التصديق بهَذا لَه قلوب خلقت لَه واهلت لمعرفته ومن لَم يتسع بطانة لهَذا فَهو اضيق ان يتسع للايمان بالنزول الالهي الي سماءَ الدنيا كُل ليلة وهو فَوق سماواته علي عرشه لا يَكون فَوقه شَيء البتة بل هُو العالي علي كُل شَيء وعلوه مِن لوازم ذاته وكذلِك دَنوه عشية عرفة مِن اهل الموقف وكذلِك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه واشراق الارض بنوره وكذلِك مجيئه الي الارض حين دَحاها وسواها ومدها وبسطها وهياها لما يرادَ مِنها وكذلِك مجيئه يوم القيامة حين يقبض مِن عَليها ولا يبقي بها أحدَ كَما قال النبي فاصبح ربك يطوف فِي الارض وقدَ خلت عَليه البلادَ هَذا وهو فَوق سماواته علي عرشه وفارقته واجتمعت فيها قواها وكَانت فِي اصل شَأنها روحا علية زكيه كبيرة ذَات همة عالية فهَذه لَها بَعدَ مفارقة البدن شَان آخر وفعل اخر.
    وقدَ تواترت الرؤيا فِي اصناف بني ادم علي فعل الارواح بَعدَ موتها ما لا تقدر علي مِثله حال اتصالها بالبدن مِن هزيمة الجيوشَ الكثيرة بالواحدَ والاثنين والعدَدَ القليل ونحو ذلِك وكم قَدَ رئى النبي ومعه ابو بكر وعمر فِي النوم قَدَ هزمت ارواحهم عساكر الكفر والظلم فاذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مَع كثرة عدَدهم وعددهم وَضعف المؤمنين وقلتهم.
    ومن العجب ان ارواح المؤمنين المتحابين المتعارفين تتلاقي وبينها اعظم مسافة وابعدها فتتالم وتتعارف فيعرف بَعضها بَعضا كَانه جليسه وعشيرة فاذا راه طابق ذلِك ما كَان عرفته روحه قَبل رؤيته
    قال عبدَ الله بن عمرو ان ارواح المؤمنين تتلاقي علي مسيرة يوم وما اري احدهما صاحبه قط ورفعه بَعضهم الي النبي صلي الله عَليه وسلم

    وقال عكرمة ومجاهدَ إذا نام الانسان فإن لَه سَببا يجري فيه الروح واصله فِي الجسدَ فتبلغ حيثُ شَاءَ الله ما دَام ذاهبا فالانسان نائم فاذا رجع الي البدن انتبه الانسان وكان بمنزلة شَعاع الشمس الَّذِي هُو ساقط بالارض فاصله متصل بالشمس وقدَ ذكر ابو عبدَ الله بن منده عَن بَعض اهل العلم أنه قال ان الروح يمتدَ مِن منخر الانسان ومركبه واصله فِي بدنه فلو خرج الروح بالكلية لمات كَما ان السراج لَو فرق بينه وبين الفتيلة الا تري ان مركب النار فِي الفتيلة وضؤوها وشعاعها يملا البيت فكذلِك الروح تمتدَ مِن منخر الانسان فِي منامه حتّى تاتي السماءَ وتجول فِي البلدان وتلتقي مَع ارواح الموتي فاذا اراه الملك الموكل بارواح العبادَ ما احب ان يريه وكان المرئي فِي اليقظة عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت فِي يقظته الي شَيء مِن الباطل رجع اليه روحه فادي الي قلبه الصدق مما اراه الله عز وجل علي حسب خلقه وان كَان خفيفا نزقا يحب الباطل والنظر اليه فاذا نام واراه الله امرا مِن خيرا وشر رجعت روحه اليه فحيثُ ما راي شَيئا مِن مخاريق الشيطان أو الباطل وقفت روحه عَليه كَما تقف فِي يقظته فكذلِك لا يؤدي الي قلبه فلا يعقل ما راي لانه خلط الحق بالباطل فلا يُمكن معَبر ان يعَبر لَه وقدَ خلط الحق بالباطل
    وهَذا مِن احسن الكلام وهو دَليل علي معرفة قائله وبصيرته بالارواح واحكامها
    وانت تري الرجل يسمع العلم والحكمة وما هُو انفع شَيء لَه ثُم يمر بباطل ولهو مِن غناءَ أو شَبهة أو زور أو غَيره فيصغي اليه ويفَتح لَه قلبه حتّى يتادي اليه فيتخبط عَليه ذلِك الَّذِي سمعه مِن العلم والحكمة ويلتبس عَليه الحق بالباطل فهكذا شَان الارواح عِندَ النوم واما بَعدَ المفارقة فأنها تعذب بتلك الاعتقادات والشه الباطلة الَّتِي كَانت حظها حال اتصالها بالبدن وينضاف الي ذلِك عذابها بتلك الارادات والشهوات الَّتِي حيل بينها وبينها وينضاف الي ذلِك عذاب آخر ينشئه الله لَها ولبدنها مِن الاعمال الَّتِي اشتركت معه فيها وهَذه هِي المعيشة الضنك فِي البرزخ والزادَ الَّذِي تزودَ بِه اليه.
    والروح الزكيه العلوية المحقة الَّتِي لا تحب الباطل ولا تالفه بضدَ ذلِك كله تنعم بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف الَّتِي تلقتها مِن مشكآة النبوة وتلك الارادات والهمم الزكية وينشئ الله سبحانه لَها مِن اعمالها نعيما ينعمها بِه فِي البرزخ فتصير لَها روضة مِن رياض الجنة ولتلك حفرة مِن حفر النار
    دليل قول مِن قال ارواح المؤمنين عِندَ الله تعالي ولم يزدَ علي

    ذلِك فانه تادب مَع لفظ القران حيثُ يقول الله عز وجل بل احياءَ عِندَ ربهم يرزقون
    وقدَ احتج ارباب هَذا القول بحجج مِنها ما رواه محمدَ بن اسحاق الصغاني حدثنا يحيي بن ابي بكير حدثنا محمدَ بن عبدَ الرحمن بن ابي ذئب عَن محمدَ بن عمرو بن عطاءَ عَن سعيدَ بن يسار عَن ابي هريرة عَن النبي قال ان الميت إذا خرجت نفْسه يعرج بها الي السماءَ حتّى ينتهي بها الي السماءَ الَّتِي فيها الله عز وجل واذا كَان الرجل السوء يعرج بها الي السماءَ فانه لا يفَتح لَها ابواب السماءَ فترسل مِن السماءَ فتصير الي القبروهَذا اسنادَ لا تسال عَن صحته وهو فِي مسنده احمدَ وغيره

    دليل قول مِن قال ان ارواح المؤمنين بالجابية وارواح الكفار بحضرموت ببرهوت:


    وقال ابو عبدَ الله بن منده وروي عَن جماعة مِن الصحابة والتابعين ان ارواح المؤمنين بالجابية ثُم قال اخبرنا محمدَ بن محمدَ بن يونس حدثنا احمدَ بن عاصم حدثنا ابو دَاودَ سليمان ابن دَاودَ حدثنا همام حدثني قتادة حدثني رجل عَن سعيدَ بن المسيب عَن عبدَ الله بن عمرو وانه قال ان ارواح المؤمنين تجتمع بالجابية وان ارواح الكفار تجتمع فِي سبخة بحضرموت يقال لَها برهوت
    ثم ساق مِن طريق حمادَ بن سلمة عَن عبدَ الجليل بن عطية عَن شَهر بن حوشب ان كعبا راي عبدَ الله بن عمرو وقدَ تكلب الناس عَليه يسالونه فقال لرجل سله أين ارواح المؤمنين وارواح الكفار فساله فقال ارواح المؤمنين بالجابية وارواح الكفار ببرهوت

    قال ابن منده ورواه ابو دَاودَ وغيره عَن عبدَ الجليل ثُم ساق مِن حديث سفيان عَن فرات القزاز عَن ابي الطفيل عَن علي قال خير بئر فِي الارض زمزم وشر بئر فِي الارض برهوت فِي حضرموت وخير وادَ فِي الارض وادي مكة والوادي الَّذِي اهبط فيه ادم بالهندَ مِنه طيبكم وشر وادَ فِي الارض الاحقاف وهو فِي حضرموت ترده ارواح الكفار
    قال ابن منده وروي حمادَ بن سلمة عَن علي بن زيدَ عَن يوسف بن مهران عَن ابن عباس عَن علي ابغض بقعة فِي الارض وادَ بحضرموت يقال لَه برهوت فيه ارواح الكفار وفيه بئر ماؤها بالنهار اسودَ كَانه قيح تاوي اليه الهوام
    ثم ساق مِن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضي حدثنا علي بن عبدَ الله حدثنا سفيان حدثنا ابان بن تغلب قال قال رجل بت فيه يَعني وادي برهوت فكإنما حشرت فيه اصوات الناس وهم يقولون يا دَومه يا دَومه قال ابان فحدثنا رجل مِن اهل الكتاب ان دَومة هُو الملك الَّذِي علي ارواح الكفار
    وقال سفيان وسالنا الحضرميين فقالوا لا يستطيع أحدَ ان يبيت فيه بالليل
    فهَذا جملة ما علمته فِي هَذا القول فإن ارادَ عبدَ الله بن عمرو بالجابية التمثيل والتشبيه وأنها تجمع فِي مكان فسيح يشبه الجابيه لسعته وطيب هوائه فهَذا قريب وان ارادَ نفْس الجابية دَون سائر الارض فهَذا لا يعلم الا بالتوقيت ولعله مما تلقاه عَن بَعض اهل الكتاب
    فصل واما قول مِن قال أنها تجتمع فِي الارض الَّتِي قال الله فيها

    (ولقدَ كتبنا فِي الزبور مِن بَعدَ الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون فهَذا ان كَان قاله تفسير الاية فليس هُو تفسيرا لَها
    وقدَ اختلف الناس فِي الارض المذكورة هُنا فقال سعيدَ بن جبير عَن ابن عباس هِي ارض الجنة وهَذا قول أكثر المفسرين وعن ابن عباس قول آخر أنها الدنيا الَّتِي فَتحها الله علي امة محمدَ وهَذا القول هُو الصحيح ونظيره قوله تعالي فِي سروة النور وعدَ الله الَّذِين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فِي الارض كَما استخلف الَّذِين مِن قَبلهم وفي الصحيح عَن النبي قال زويت لِي الارض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك امتي ما زوي لِي مِنها
    وقالت طائفة مِن المفسرين المرادَ بذلِك ارض بيت المقدس
    وهي مِن الارض الَّتِي اورثها الله عباده الصالحين وليست الاية مختصة بها

    دليل قول مِن قال ان ارواح المؤمنين فِي عليين فِي السماءَ السابعة

    وارواح الكفار فِي سجين فِي الارض السابعة فهَذا قول قَدَ قاله جماعة مِن السلف والخلف ويدل عَليه قول النبي اللهم الرفيق الاعلي وقدَ تقدم حديث ابي هريرة ان الميت إذا خرجت روحه عر ج بها الي السماءَ حتّى ينتهي بها الي السماءَ السابعة الَّتِي فيها الله عز وجل وتقدم قول ابي موسي أنها تصعدَ حتّى تنتهي الي العرشَ وقول حذيفة أنها موقوفة عِندَ الرحمن وقول عبدَ الله بن عمر ان هَذه الارواح عِندَ الله وتقدم قول النبي ان ارواح الشهداءَ تاوي الي قناديل تَحْت العرشَ وتقدم حديث البراءَ بن عازب أنها تصعدَ مِن سماءَ الي سماءَ ويشيعها مِن كُل سماءَ مقربوها حتّى ينتهي بها الي السماءَ السابعة وفي لفظ الي السماءَ الَّتِي فيها الله عز وجل
    ولكن هَذا لا يدل علي استقرارها هُناك بل يصعدَ بها الي هُناك للعرض علي ربها فيقضي فيها امَره ويكتب كتابه مِن اهل عليين أو مِن اهل سجين ثُم تعودَ الي القبر للمسالة ثُم ترجع الي مقرها الَّتِي اودعت فيه فارواح المؤمنين فِي عليين بحسب منازلهم وارواح الكفار فِي سجين بحسب منازلهم
    دليل قول مِن قال ان ارواح المؤمنين تجتمع ببئر زمزم

    فلا دَليل علي هَذا القول مِن كتاب ولا سنة يَجب التسليم لَها ولا قول صاحب يوثق بِه وليس بصحيح فإن تلك البئر لا تسع ارواح المؤمنين جميعهم وهو مخالف لما ثبت بِه السنة الصريحة مِن ان نسمة المؤمن طائر يعلق فِي شَجر الجنة
    وبالجملة فهَذا مِن ابطل الاقوال وافسدها وهو افسدَ مِن قول مِن قال أنها بالجابية فإن ذلِك مكان متسع فضاءَ بخلاف البئر الضيقة
    دليل قول مِن قال ان ارواح المؤمنين فِي برزخ مِن الارض تذهب حيثُ شَاءت

    فهَذا مروي عَن سلمان الفارسي والبرزخ هُو الحاجز بَين شَيئين وكان سلمان ارادَ بها فِي ارض بَين الدنيا والاخرة مرسلة هُناك تذهب حيثُ شَاءت وهَذا قول قوي فأنها قَدَ فارقت الدنيا ولم تلج الاخرة بل هِي فِي برزخ بينهما فارواح المؤمنين فِي برزخ واسع فيه الروح والريحان والنعيم وارواح الكفار فِي برزخ ضيق فيه الغم والعذاب قال تعالي ومن ورائهم برزخ الي يوم يبعثون فالبرزخ هُنا ما بَين الدنيا والاخرة واصله الحاجز بَين الشيئين
    دليل قول مِن قال ان ارواح المؤمنين عَن يمين ادم وارواح الكفار عَن يسارة:

    فلعمر والله لقدَ قال قولا يؤيده الحديث الصحيح وهو حديث الاسراءَ فإن النبي راهم كذلِك ولكن لا يدل علي تعادلهم فِي اليمين والشمال بل يَكون هؤلاءَ عَن يمينه فِي العلو والسعة وهؤلاءَ عَن يساره فِي السفل والسجن.
    وقدَ قال ابو محمدَ بن حزم ان ذلِك البرزخ الَّذِي راه فيه رسول الله ليلة اسري بِه عِندَ سماءَ الدنيا قال وذلِك عِندَ منقطع العناصر قال وهَذا يدل علي أنها عنده تَحْت السماءَ حيثُ تنقطع العناصر وهي الماءَ والتراب والنار والهواء
    وهو دَائما يشنع علي مِن قال قولا لا دَليل عَليه فاي دَليل لَه علي هَذا القول مِن كتاب وسنة وسياتي اشباع الكلام علي قوله إذا انتهينا اليه ان شَاءَ الله تعالي
    فان قيل فاذا كَانت ارواح اهل السعاده عَن يمين ادم وادم فِي السماءَ الدنيا وقدَ ثبت ان ارواح الشهداءَ فِي ظل العرشَ والعرشَ فَوق السماءَ السابعة فكيف تَكون عَن يمينه وكيف يراها النبي هُناك فِي السماءَ الدنيا فالجواب مِن وجوه
    احدها أنه لا يمتنع كونها عَن يمينه فِي جهة العلو كَما كَانت ارواح الاشقياءَ عَن يساره فِي جهة السفل
    الثاني أنه غَير ممتنع ان تعرض علي النبي فِي سماءَ الدنيا وان كَان مستقرها فَوق ذلك
    الثالث أنه لَم يخبر أنه راي ارواح السعداءَ جميعا هُناك بل قال فاذا عَن يمينه اسودة وعن يساره اسودة ومعلوم قطعا ان روح ابراهيم وموسي فَوق ذلِك فِي السماءَ السادسة والسابعة وكذلِك الرفيق الاعلي ارواحهم فَوق ذلِك وارواح السعداءَ بَعضها اعلي مِن بَعض بحسب منازلهم كَما ان ارواح الاشياءَ بَعضها اسفل مِن بَعض بحسب منازلهم والله اعلم

    دليل قول ابي محمدَ بن حزم ان مستقرها حيثُ كَانت قَبل خلق اجسادها:

    فهَذا بناءَ مِنه علي مذهبه الَّذِي اختاره وهو ان الارواح مخلوقة قَبل الاجسادَ وهَذا فيه قولان للناس وجمهورهم علي ان الارواح خلقت بَعدَ الاجسادَ والذين قالوا أنها خلقت قَبل الاجسادَ ليس معهم علي ذلِك دَليل مِن كتاب ولا سنة ولا اجماع الا ما فهموه مِن نصوص لا تدل علي ذلِك أو احاديث لا تصح كَما احتج بِه ابو محمدَ بن حزم مِن قوله تعالي واذ اخذ ربك مِن بني ادم مِن ظهورهم ذريتهم واشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي شَهدنا الاية وبقوله تعالي ولقدَ خلقناكم ثُم صورناكم ثُم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا قال فصح ان الله خلق الارواح جملة وهي الانفس وكذلِك اخبر عَليه السلام ان الارواح جنودَ مجندة فما تعارف مِنها ائتلف وما تناكر مِنها اختلف قال واخذ عز وجل عهدها وشهادتها وهي مخلوقة مصورة عاقلة قَبل ان يامر الملائكة بالسجودَ لادم وقبل ان يدخلها فِي الاجسادَ والاجسادَ يومئذ تراب وقال لان الله تعالي خلق ذلِك بلفظة ثُم الَّتِي توجب التعقيب والمهلة ثُم اقرها سبحانه وتعالي حيثُ شَاءَ وهو البرزخ الَّذِي ترجع اليه عِندَ الموت

    وسنذكر ما فِي هَذا الاستدلال عِندَ جواب سؤال السائل عَن الارواح هِي مخلوقة مَع الابدان ام قَبلها اذ الغرض هُنا الكلام علي مستقر الارواح بَعدَ الموت وقوله أنها تستقر فِي البرزخ الَّذِي كَانت فيه قَبل خلق الاجسادَ مبني علي هَذا الاعتقادَ الَّذِي اعتقده.
    وقوله ان ارواح السعداءَ عَن يمين ادم وارواح الكفار الاشقياءَ عَن يساره حق كَما اخبر بِه النبي وقوله ان ذلِك عِندَ منقطع العناصر لا دَليل عَليه مِن كتاب ولا سنة ولا يشبه اقوال اهل الاسلام والاحاديث الصحيحة تدل علي ان الارواح فَوق العناصر فِي الجنة عِندَ الله وادلة القران تدل علي ذلِك وقدَ وافق ابو محمدَ علي ان ارواح الشهداءَ فِي الجنة ومعلوم ان الصديقين أفضل مِنهم فكيف تَكون روح ابي بكر الصديق وعبدَ الله بن مسعودَ وابي الدرداءَ وحذيفة بن اليمان واشباههم رضي الله عنهم عِندَ منقطع العناصر وذلِك تَحْت هَذا الفلك الادني وتحت السماءَ الدنيا وتَكون ارواح شَهداءَ زماننا وغيرهم فَوق العناصر وفوق السموات.
    واما قوله قَدَ ذكر محمدَ بن نصر المروزي عَن اسحاق بن راهويه أنه ذكر هَذا الَّذِي قلنا بعينه قال وعلي هَذا جميع اهل العلم وهو قول جميع اهل الاسلام
    قلت محمدَ بن نصر المروزي ذكر فِي كتاب الردَ علي ابن قتيبة فِي تفسير قوله تعالي واذ اخذ ربك مِن بني ادم مِن ظهورهم ذريتهم واشهدهم علي انفسهم الست بربكم الاثار الَّتِي ذكرها السلف مِن استخراج ذرية ادم مِن صلبه ثُم اخذ الميثاق عَليهم وردهم فِي صلبه وانه اخرجهم مِثل الذر وانه سبحانه قسمهم اذ ذاك الي شَقي وسعيدَ وكتب اجالهم وارزاقهم واعمالهم وما يصيبهم مِن خير وشر ثُم قال قال اسحاق اجمع اهل العلم أنها الارواح قَبل الاجسادَ استنطقهم واشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي شَهدنا ان تقولوا يوم القيامة أنا كنا عَن هَذا غافلين أو تقولوا إنما اشرك اباؤنا مِن قَبل هَذا نص كلامه.
    وهو كَما تري لا يدل علي ان مستقر الارواح ما ذكر ابو محمدَ حيثُ تنقطع العناصر بوجه مِن الوجوه بل ولا يدل علي ان الارواح كائنة قَبل خلق الاجسادَ بل إنما يدل علي أنه سبحانه اخرجها حينئذ فخاطبها ثُم ردها الي صلب ادم وهَذا القول وان كَان قَدَ قاله جماعة مِن السلف والخلف فالقول الصحيح غَيره كَما ستقف عَليه ان شَاءَ الله اذ ليس الغرض فِي جواب هَذه المسالة الكلام فِي الارواح هَل هِي مخلوقة قَبل الاجسادَ ام لا حتّى لَو سلم لابي محمدَ هَذا كله لَم يكن فيه دَليل علي ان مستقرها حيثُ تنقطع العناصر ولا ان ذلِك الموضع كَان مستقرها اولا
    دليل قول مِن قال مستقرها العدَم المحض

    فهَذا قول مِن قال أنها عرض مِن اعراض البدن وهو الحيآة وهَذا قول ابن الباقلاني ومن تبعه وكذلِك قال ابو الهذيل العلاف النفس عرض مِن الاعراض ولم يعينه بانه الحيآة كَما عينه ابن الباقلاني ثُم قال هِي عرض كسائر اعراض الجسم
    وهؤلاءَ عندهم ان الجسم إذا مات عدمت روحه كَما تقدم وسائر اعراضه المشروطة بالحيآة ومن يقول مِنهم ان العرض لا يبقي زمانين كَما يقوله أكثر الاشعرية فمن قولهم ان روح الانسان الآن هِي غَير روحه قَبل وهو لا ينفك يحدث لَه روح ثُم تغير ثُم روح ثُم تغير هكذا ابدا فيبدل لَه الف روح فأكثر فِي مقدار ساعة مِن الزمان فما دَونها فاذا مات فلا روح تصعدَ الي السماءَ وتعودَ الي القبر وتقبضها الملائكة ويستفتحون لَها ابواب السموات ولا تنعم ولا تعذب وإنما ينعم ويعذب الجسدَ إذا شَاءَ الله تنعيمه أو تعذيبه ردَ اليه الحيآة فِي وقْت يُريدَ نعيمه أو عذابه والا فلا ارواح هُناك قائمة بنفسها البتة
    وقال بَعض ارباب هَذا القول تردَ الحيآة الي عجب الذنب فَهو الَّذِي يعذب وينعم وحسب.
    وهَذا قول يرده الكتاب والسنة واجماع الصحابة وادلة العقول والفطن والفطرة وهو قول مِن لَم يعرف روحه فضلا عَن روح غَيره وقدَ خاطب الله سبحانه النفس بالرجوع والدخول والخروج ودلت النصوص الصحيحة للصريحة علي أنها تصعدَ وتنزل وتقبض وتمسك وترسل وتستفَتح لَها ابواب السماءَ وتسجدَ وتتكلم وأنها تخرج تسيل كَما تسيل القطرة وتكفن وتحنط فِي اكفان الجنة والنار وان ملك الموت ياخذها بيده ثُم تتناولها الملائكة مِن يده ويشم لَها كاطيب نفحة مسك أو انتن جيفة وتشيع مِن سماءَ الي سماءَ ثُم تعادَ الي الارض مَع الملائكة وأنها إذا خرجت تبعها البصر بحيثُ يراها وهي خارِجة ودل القران علي أنها تنتقل مِن مكان الي مكان حتّى تبلغ الحلقوم فِي حركتها وجميع ما ذكرنا مِن جمع الادلة الدالة علي تلاقي الارواح وتعارفها وأنها اجنادَ مجندة الي غَير ذلِك تبطل هَذا القول وقدَ شَاهدَ النبي الارواح ليلة الاسراءَ عَن يمين ادم وشماله واخبر النبي ان نسمة المؤمن طائر يعلق فِي شَجر الجنة وان ارواح الشهداءَ فِي حواصل طير خضر واخبر تعالي عَن ارواح ال فرعون أنها تعرض علي النار غدوا وعشيا
    ولما اوردَ ذلِك علي ابن الباقلاني لج فِي الجواب وقال يخرج علي هَذا أحدَ وجهين اما بان يوضع عرض مِن الحيآة فِي أول جُزء مِن اجزاءَ الجسم واما ان يخلق لتلك الحيآة والنعيم والعذاب جسدَ اخر.
    وهَذا قول فِي غاية الفسادَ مِن وجوه كثِيرة أي قول افسدَ مِن قول مِن يجعل روح الانسان عرضا مِن الاعراض تتبدل كُل ساعة الوفا مِن المرات فاذا فارقه هَذا العرض لَم يكن بَعدَ المفارقة روح تنعم ولا تعذب ولا تصعدَ ولا تنزل ولا تمسك ولا ترسل فهَذا قول مخالف للعقل ونصوص الكتاب والسنة والفطرة وهو قول مِن لَم يعرف نفْسه وسياتي ذكر الوجوه الدالة علي بطلان هَذا القول فِي موضعه مِن هَذا الجواب ان شَاءَ الله وهو قول لَم يقل بِه أحدَ مِن سلف الامة ولا مِن الصحابة والتابعين ولا ائمة الاسلام
    دليل قول مِن قال ان مستقرها بَعدَ الموت ابدان آخر غَير هَذه الابدان

    فهَذا القول فيه حق وباطل
    فاما الحق فما اخبر الصادق المصدوق عَن ارواح الشهداءَ أنها فِي حواصل طير خضر تاوي الي قناديل معلقة بالعرشَ هِي لَها كالاوكار للطائر وقدَ صرح بذلِك فِي قوله جعل الله ارواحهم فِي اجواف طير خضر.
    واما قوله نسمة المؤمن طائر يعلق فِي شَجر الجنة يحتمل ان يَكون هَذا الطائر مركبا للروح كالبدن لَها ويَكون ذلِك لبعض المؤمنين والشهداءَ ويحتمل ان يَكون الروح فِي صورة طائر وهَذا اختيار ابي محمدَ بن حزم وابي عمر بن عبدَ البر وقدَ تقدم كلام ابي عمر والكلام عَليه واما ابن حزم فانه قال معني قوله نسمة المؤمن طائر يعلق هُو علي ظاهرة لا علي ظن اهل الجهل وإنما اخبر ان نسمة المؤمن طائر يعلق بمعني أنها تطير فِي الجنة لا أنها تمسخ فِي صورة الطير قال فإن قيل ان النسمة مؤنثة قلنا قَدَ صح عَن عربي فصيح أنه قال اتتك كتابي فاستخففت بها.
    فقيل لَه اتؤنث الكتاب قال اوليس صحيفة وكذلِك النسمة تذكر كذلِك قال واما الزيادة الَّتِي فيها أنها فِي حواصل طير خضر فأنها صفة تلك القناديل الَّتِي تاوي اليها والحديثان معا حديث واحدَ وهَذا الَّذِي قاله فِي غاية الفسادَ لفظا ومعني فإن حديث نسمة المؤمن طائر يعلق فِي شَجر الجنة غَير حديث ارواح الشهداءَ فِي حواصل طير خضر والذي ذكره محتمل فِي الحديث الاول واما الحديث الثاني فلا يحتمله بوجه فانه اخبر ان ارواحهم فِي حواصل طير وفي لفظ فِي اجواف طير خضر وفي لفظ بيض وان تلك الطير تسرح فِي الجنة فتاكل مِن ثمارها وتشرب مِن أنهارها ثُم تاوي الي قناديل تَحْت العرشَ هِي لَها كالاوكار للطائر وقوله ان حواصل تلك الطير هِي صفة القناديل الَّتِي تاوي اليها خطا قطعا بل تلك القناديل ماوي لتلك الطير فهاهنا ثلاثة امور صرح بها الحديث ارواح وطير هِي فِي اجوافها وقناديل هِي ماوي لتلك الطير والقناديل مستقرة تَحْت العرشَ لا تسرح والطير تسرح وتذهب وتجيء والارواح فِي اجوافها

    فان قيل يحتمل ان تجعل نفْسها فِي صورة طير لا أنها تركب فِي بدن طير كَما قال تعالي فِي أي صورة ما شَاءَ ركبك ويدل عَليه قوله فِي اللفظ الاخر ارواحهم كطير خضر كذلِك رواه ابن ابي شَيبة حدثنا ابو معاوية عَن الاعمشَ عَن عبدَ الله بن مَرة عَن مسروق عَن عبدَ الله.
    قال ابو عمر والذي يشبه عندي والله اعلم ان يَكون القول قول مِن قال كطير أو صورة طير لمطابقته لحديثنا المذكور يَعني حديث كعب بن مالك فِي نسمة المؤمن
    فالجواب ان هَذا الحديث قَدَ روي بهذين اللفظين والذي رواه مسلم فِي الصحيح مِن حديث الاعمشَ عَن مسروق فلم يختلف حديثهما أنها فِي اجواف طير خضر
    واما حديث ابن عباس فقال عثمان بن ابي شَيبة حدثنا عبدَ الله بن ادريس عَن محمدَ ابن اسحاق عَن اسماعيل بن امية عَن سعيدَ بن جبير عَن ابن عباس قال قال رسول الله لما اصيب اخوانكم يَعني يوم أحدَ جعل الله ارواحهم فِي اجواف طير خضر تردَ أنهار الجنة وتاكل مِن ثمارها وتاوي الي قناديل مِن ذهب مدلآة فِي ظل العرشَ فلما وجدوا طيب ماكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا مِن يبلغ اخواننا عنا أنا احياءَ فِي الجنة نرزق لئلا ينكلوا عَن الحرب ولا يزهدوا فِي الجهادَ فقال الله تعالي أنا ابلغهم عنكم فانزل الله تعالي ولا تحسبن الَّذِين قتلوا فِي سبيل الله امواتا بل احياءَ عِندَ ربهم يرزقون)

    واما حديث كعب بن مالك فَهو فِي السنن الاربعة ومسندَ احمدَ ولفظه للترمذي ان رسول الله قال ان ارواح الشهداءَ فِي طير خضر تعلق مِن ثمر الجنة أو شَجر الجنة قال الترمذي هَذا حديث حسن صحيح ولا محذور فِي هَذا ولا يبطل قاعدة مِن قواعدَ الشرع ولا يخالف نصا مِن كتاب ولا سنة عَن رسول الله بل هَذا مِن تمام اكرام الله للشهداءَ ان اعاضهم مِن ابدانهم الَّتِي مزقوها لله ابدانا خيرا مِنها تَكون مركبا لارواحهم ليحصل بها كمال تنعمهم فاذا كَان يوم القيامة ردَ ارواحهم الي تلك الابدان الَّتِي كَانت فيها فِي الدنيا
    فان قيل فهَذا هُو القول بالتناسخ وحلول الارواح فِي ابدان غَير ابدأنها الَّتِي كَانت فيها قيل هَذا المعني الَّذِي دَلت عَليه السنة الصريحة حق يَجب اعتقاده ولا يبطله تسميه المسمي لَه تناسخا كَما ان اثبات ما دَل عَليه العقل والنقل مِن صفات الله عز وجل وحقائق اسمائه الحسني حق لا يبطله تسمية المعطلين لَها تركيبا وتجسيما.
    وكذلِك ما دَل عَليه العقل والنقل مِن اثبات افعاله وكلامه بمشيئته ونزوله كُل ليلة الي سماءَ الدنيا ومجيئه يوم القيامة للفصل بَين عباده حق لا يبطله تسمية المعطلين لَه حلول حوادث

    كَما ان ما دَل عَليه العقل والنقل مِن علو الله علي خلقه ومباينته لَهُم واستوائه علي عرشه وعروج الملائكة والروح اليه ونزولها مِن عنده وصعودَ الكلم الطيب اليه وعروج رسوله اليه ودنوه مِنه حتّى صار قاب قوسين أو ادني وغير ذلِك مِن الادلة حق لا يبطله تسمية الجهمية لَه حيزا وجهة وتجسيما

    قال الامام احمدَ لا نزيل عَن الله صفة مِن صفاته لاجل شَناعة المشنعين فإن هَذا شَان اهل البدع يلقبون اهل السنة واقوالها بالالقاب الَّتِي ينفرون مِنه الجهال ويسمونها حشوا وتركيبا وتجسيما

    ويسمون عرشَ الرب تبارك وتعالي حيزا وجهة ليتوصلوا بذلِك الي نفي علوه علي خلقه واستوائه علي عرشه كَما تسمي الرافضة موالآة اصحاب رسول الله كلهم ومحبتهم والدعاءَ لَهُم نصا وكَما تسمي القدرية المجوسية اثبات القدر جبرا فليس الشان فِي الالقاب وإنما الشان فِي الحقائق.
    والمقصودَ ان تسمية ما دَلت عَليه الصريحة مِن جعل ارواح الشهداءَ فِي اجواف طير خضر تناسخا لا يبطل هَذا المعني وإنما التناسخ الباطل ما تقوله اعداءَ الرسل مِن الملاحدة وغيرهم الَّذِين ينكرون المعادَ ان الارواح تصير بَعدَ مفارقة الابدان الي اجناس الحيوان والحشرات والطيور الَّتِي تناسبها وتشاكلها فاذا فارقت هَذه الابدان انتقلت الي ابدان تلك الحيوانات فتنعم فيها أو تعذب ثُم تفارقها وتحل فِي ابدان آخر تناسب اعمالها واخلاقها وهكذا ابدا.
    فهَذا معادها عندهم ونعيمها وعذابها لا معادَ لَها عندهم غَير ذلِك فهَذا هُو التناسخ الباطل المخالف لما اتفقت عَليه الرسل والانبياءَ مِن اولهم الي اخرهم وهو كفر بالله واليَوم الاخر وهَذه الطائفة يقولون ان مستقر الارواح بَعدَ المفارقة ابدان الحيوانات الَّتِي تناسبها وهو ابطل قول واخبثه ويليه قول مِن قال ان الارواح تعدَم جملة بالموت ولا تبقي هُناك روح تنعم ولا تعذب بل النعيم والعذاب يقع علي اجزاءَ الجسدَ أو جُزء مِنه اما عجب أو غَيره فيخلق الله فيه الالم واللذة اما بواسطة ردَ الحيآة اليه كَما قاله بَعض ارباب هَذا القول أو بِدون ردَ الحيآة كَما قاله اخرون مِنهم فهؤلاءَ عندهم لا عذاب فِي البرزخ الا علي الاجسادَ ومقابلهم مِن يقول ان الروح لا تعادَ الي الجسدَ بوجه ولا تتصل بِه والعذاب والنعيم علي الروح فَقط والسنة الصريحة المتواترة تردَ قول هؤلاءَ وهؤلاءَ وتبين ان العذاب علي الروح والجسدَ مجتمعين ومنفردين

    الراجح مِن الاقوال
    =====================
    فان قيل فقدَ ذكرتم اقوال الناس فِي مستقر الارواح وماخذهم فما هُو الراجح مِن هَذه الاقوال حتّى نعتقده

    قيل الارواح متفاوتة فِي مستقرها فِي البرزخ اعظم تفاوت فمِنها ارواح فِي اعلي عليين فِي الملا الاعلي وهي ارواح الانبياءَ صلوات الله وسلامه عَليهم وهم متفاوتون فِي منازلهم كَما راهم النبي ليلة الاسراء

    ومِنها ارواح فِي حواصل طير خضر تسرح فِي الجنة حيثُ شَاءت وهي ارواح بَعض الشهداءَ لا جميعهم بل مِن الشهداءَ مِن تحبس روحه عَن دَخول الجنة لدين عَليه أو غَيره كَما فِي المسندَ عَن محمدَ بن عبدَ الله بن جحشَ ان رجلا جاءَ الي النبي فقال يا رسول الله مالي ان قتلت فِي سبيل الله قال الجنة فلما ولي قال الا الَّذِين سارني بِه جبريل انفا

    ومنهم مِن يَكون محبوسا علي باب الجنة كَما فِي الحديث الاخر رايت صاحبكم محبوسا علي باب الجنة

    ومنهم مِن يَكون محبوسا فِي قبره كحديث صاحب الشملة الَّتِي غلها ثُم استشهدَ فقال الناس هنيئا لَه الجنة فقال النبي والذي نفْسي بيده ان الشملة الَّتِي غلها لتشتعل عَليه نارا فِي قبره


    ومنهم مِن يَكون مقره باب الجنة كَما فِي حديث ابن عباس الشهداءَ علي بارق نهر بباب الجنة فِي قبة خضراءَ يخرج عَليهم رزقهم مِن الجنة بكرة وعشية رواه احمدَ وهَذا بخلاف جعفر بن ابي طالب حيثُ ابدله الله مِن يديه جناحين يطير بهما فِي الجنة حيثُ شَاء

    ومنهم مِن يَكون محبوسا فِي الارض لَم تصعدَ روحه الي الملا الاعلي فأنها كَانت روحا سفلية ارضية فإن الانفس الارضية لا تجامع الانفس السماوية كَما لا تجامعها فِي الدنيا والنفس الَّتِي لَم تكتسب فِي الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والانس بِه والتقرب اليه بل هِي ارضية سفلية لا تَكون بَعدَ المفارقة لبدنها الا هُناك كَما ان النفس العلوية الَّتِي كَانت فِي الدنيا عاكفة علي محبة الله وذكره والقرب اليه والانس بِه تَكون بَعدَ المفارقة مَع الارواح العلوية المناسبة لَها فالمرء مَع مِن احب فِي البرزخ ويوم القيامة.
    والله تعالي يزوج النفوس بَعضها ببعض فِي البرزخ ويوم المعادَ كَما تقدم فِي الحديث ويجعل روحه يَعني المؤمن مَع النسم الطيب أي الارواح الطيبة المشاكلة فالروح بَعدَ المفارقة تلحق باشكالها واخواتها واصحاب عملها فتَكون معهم هناك

    ومِنها ارواح تَكون فِي تنور الزنآة والزاني وارواح فِي نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة فليس للارواح سعيدها وشقيها مستقر واحدَ بل روح فِي اعلي عليين وروح ارضية سفلية لا تصعدَ عَن الارض

    وانت إذا تاملت السنن والاثار فِي هَذا الباب وكان لك بها فضل اعتناءَ عرفت حجة ذلِك ولا تظن ان بَين الاثار الصحيحة فِي هَذا الباب تعارضا فأنها كلها حق يصدق بَعضها بَعضا لكِن الشان فِي فهمها ومعرفة النفس واحكامها وان لَها شَانا غَير شَان البدن وأنها مَع كونها فِي الجنة فَهي فِي السماءَ وتتصل بفناءَ القبر وبالبدن فيه وهي اسرع شَيء حركة وانتقالا وصعودا وهبوطا وأنها تنقسم الي مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية ولها بَعدَ المفارقة صحة ومرض ولذة ونعيم والم اعظم مما كَان لَها حال اتصالها بالبدن بكثير فهنالك الحبس والالم والعذاب والمرض والحسرة وهنالك اللذة والراحة والنعيم والاطلاق

    وما اشبه حالها فِي هَذا البدن بحال ولدَ فِي بطن امه وحالها بَعدَ المفارقة بحاله بَعدَ خروجه مِن البطن الي هَذه الدار.

    فلهَذه الانفس اربع دَور كُل دَار اعظم مِن الَّتِي قَبلها:
    ***الدار الاولي فِي بطن الام وذلِك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث
    ***والدار الثانية هِي الدار الَّتِي نشات فيها والفتها واكتسبت فيها الخبر والشر واسباب السعادة والشقاوة

    ** والدار الثالثة دَار البرزخ وهي اوسع مِن هَذه الدار واعظم بل نسبتها اليه كنسبة هَذه الدار الي الاولى

    ** والدار الرابعة دَار القرار وهي الجنة أو النار فلا دَار بَعدها والله ينقلها فِي هَذه الدور طبقا بَعدَ طبق حتّى يبلغها الدار الَّتِي لا يصلح لَها غَيرها ولا يليق بها سواها وهي الَّتِي خلقت لَها وهيئت للعمل الموصل لَها اليها ولها فِي كُل دَار مِن هَذه الدور حكم وشان غَير شَان الدار الاخرى

    فتبارك الله فاطرها ومنشئها ومميتها ومحييها ومسعدها ومشقيها الَّذِي فاوت بينها فِي دَرجات سعادتها وشقاوتها كَما فاوت بينها فِي مراتب علومها واعمالها وقواها واخلاقها فمن عرفها كَما ينبغي شَهدَ ان لا اله الا الله وحده لا شَريك لَه له الملك كله وله الحمدَ كله وبيده الخير كله واليه يرجع الامر كله وله القوة كلها والقدرة كلها والعز كله والحكمة كلها والكمال المطلق مِن جميع الوجوه وعرف بمعرفة نفْسه صدق انبيائه ورسله وان الَّذِي جاءوا بِه هُو الحق الَّذِي تشهدَ بِه العقول وتقر بِه الفطر وما خالفه هُو الباطل وبالله التوفيق ا.ه

المواضيع المتشابهه

  1. اللي يبي يختبر معلوماته يدخل يقرأ
    بواسطة حميداني وافتخر في المنتدى منتدى الحمادين للحوار العام
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 17/09/2009 - September 17th, 02:25 PM
  2. معنى كلمة ليبرالي وعلماني
    بواسطة ابو عبدالله الحميداني في المنتدى منتدى الحمادين للحوار العام
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 20/06/2008 - June 20th, 02:08 AM
  3. ما هو سر معنى كلمة family ؟؟
    بواسطة جرح قلبي في المنتدى الأسرة و المجتمع علاقات اسرية اجتماعية منوعة
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 03/04/2008 - April 3rd, 09:15 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع


SEO by vBSEO 3.6.1