النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: من ديوان على محمود طه ...!

علي محمود طه (1902 – 1949م) ولد علي محمود طه عام 1902 (على وجه التقدير), تخرج من مدرسة الهندسة التطبيقية, وقضى أكثر حياته متنقلاً في الوظائف الحكومية, فكان مديراً

  1. #1
    المخرج غير متصل [ مـتـمـيـز ]
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    445

    من ديوان على محمود طه ...!


    علي محمود طه
    (1902 – 1949م)

    ولد علي محمود طه عام 1902 (على وجه التقدير), تخرج من مدرسة الهندسة التطبيقية, وقضى أكثر حياته متنقلاً في الوظائف الحكومية, فكان مديراً لمكتب رئيس مجلس النواب, وفي سنة 1945م استقال من هذا المنصب إذ آثر أن يغرد طليقاً بعيداً عن وظائف الحكومة وقيودها, وظل كذلك حتى عين وكيلاً لدار الكتب المصرية. برز من بين صفوف الشباب فكان شاعراً جهير الصوت, رصين الأداء, شجي النغم تطلعت إليه العيون, وخفقت له القلوب واشرأبت إليه الأعناق, ولم يخل من حسد الحاسدين فحقد عليه فئة من الشباب وحفنه من الشيوخ, وكأن النبوع في رأيهم لا يحسب بعدد المواهب والملكات وإنما يحسب بعدد السنين. كان حلقة في سلسلة تطور الشعر العربي الحديث, لوى شعره عن التقليد والترديد, وكان بيانه وأصالته يرتكزان على ثقافته الواسعة المتنوعة المتبانية, وأخرج فناً من الشعر متناسق الألوان. كان ذا شخصية واضحة جذابة, مرحاً طروباً, فراح يستشعر ما في الدنيا من جمال بحس مرهف يعب من مواردها ما يحيله إلى من جميل. له عدة دواوين شعرية هي:
    - الملاح التائه.
    - ليالي الملاح التائه.
    - أرواح وأشباح.
    - الشوق العائد.
    - زهر وحجر.
    كان علي محمود طه يعاني آلام مرض ضغط الدم. وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر تشرين الثاني 1949م, وأغمض إغماضته الأخيرة ودفن في المنصورة مسقط رأسه.


    (إذا ارتقى البدر صفحة النهر)


    إذا ارتقى البدرُ صفحةَ النهرِ


    وضمَّنا فيهِ زورقٌ يجري


    وداعبتْ نَسمةٌ من العِطرِ


    على مُحيَّاكِ خُصْلةَ الشَّعرِ


    حَسَوْتُها قبلةً من الجمرِ


    جُنَّ جُنوني لـها وما أدري


    أيَّ معاني الفتونِ والسِّحرِ


    ثغرُك أوحى بها إلى ثغري


    حُلْمُ مساءٍ أتاحهُ دهري


    غَرّدَ فيه الحبيسُ في صدري

    فنوِّليني فليس في العمرِ


    سوى ليالي الغرام والشِّعْرِ


    إنِّي رأيتُ النذيرَ في الأثرِ


    تطلِقُ كفَّاهُ طائرَ الفَجْرِ


    فقرِّبي الكأسَ واسكبي خمري

    ********************************
    (ألا ما لـهذا الليل تدجى جوانبه)

    ألا ما لـهذا الليلِ تَدجى جوانبُهُ

    ***
    على شَفَقٍ دامٍ تلظَّى ذوائبُهْ


    وما ذلك الظلُّ المَخوفُ بأُفْقِهِ

    ***
    يُطِلُّ فترتدُّ ارتياعاً كواكبُهْ


    أأيتها الأرضُ انظري ويكِ واسمعي

    ****
    توثَّبَ فيكِ الشرُّ حمْراً مخالبُهْ


    أرى فِتنةً حمْراءَ يَلْفُظُها الثرى

    ***
    دُخاناً تُغَشِّي الكائناتِ سحائبُهْ


    وأشتمُّ من أنفاسها حَرَّ هَبْوَةٍ

    ****
    كأنَّ هجيرَ الصيف يلفحُ حاصبُهْ


    أرى قبضةَ الشيطان تستلُّ خنجراً

    ****
    توهَّجُ شوقاً للدماءِ مَضارِبُهْ


    تسلَّلَ يبغي مقتلاً مِن محمدٍ

    ***
    لقد خُيّبَ الباغي وخابَتْ مآرِبُهْ


    تقدَّمْ سليلَ النَّارِ ما الباب موصدٌ

    ***
    فماذا توقَّاهُ وماذا تُجانبُهْ


    تأمَّلْ فهَلْ إلاَّ فتىً في فراشه

    ***
    إلى النورِ تَهفو في الظَّلامِ ترائبُهْ


    يُسائِلُكَ الأشياعُ زاغَتْ عيونُهم

    ***
    وأنتَ حَسيرٌ ضائعُ اللُّبِّ ذاهبُهْ

    _____________________

    (إمرأة وشيطان)

    لا ولا أفلَتَ منها فاتنٌ

    ***
    قرَّبَتْهُ واحتوتهُ قبضتاها


    قِيلَ عنها إنّها ساحرةٌ

    ***
    تتحدَّى سطوةَ الجنِّ سُطاها


    وعجوزٌ بالصِّبا موعودةٌ

    ***
    وبعمرِ الدهر موعودٌ صباها


    حَذِقَتْ عِلمَ الأوالي ووعتْ
    ***

    قصصَ الحبِّ ومأثورَ لغاها


    قِيلَ لا يُذهِبُ عنها كيدَها

    **
    غيرُ شيطانٍ ولا يمحو رُقاها


    ورووا عنها أحاديثَ هوىً

    **
    آثمٍ يُغرِبُ فيها من رواها

    وأساطيرَ ليالٍ صُبِغَتْ

    **
    بدماءٍ سفكتهنَّ يداها

    يذكرُ الركبانُ عنها أنّها
    ***
    سرقتْ من كل حسناءَ فتاها

    وقتيلٌ بين عينيْ زوجه
    ***
    كلُّ معشوقٍ دَعتهُ فعصاها

    كلما التذّتْ وصالاً من فتىً
    ***
    سحرَتهُ وهو في حِضنِ هواها
    ***
    واحتوتهُ في أصيصٍ زهرةً
    ***
    يسرِقُ الأنفاسَ من طيب شذاها

    زهراتٌ مثَّلتْ عشّاقها
    ***
    بعيونٍ غرِقاتٍ في كراها

    فإذا ما الليلُ أرخى سِتره
    ***
    أطلقَتْ أشباحَهم في منتداها
    _____________________________________________
    (زهراتك الحمر التي أسلمتها)


    زَهَرَاتُكِ الحُمْرُ التي أسْلمْتِها
    بيديْ مودِّعةٍ يمينَ مُودِّعِ


    لما وصلتُ إلى المصيف حملتُها
    كالطفلِ نامَ على ذراعِ المرضعِ


    أمشي بها فوق الرِّمالِ كأنني
    أمشي بطيفٍ في الظَّلامِ مُقنَّعِ


    مَضْمومةَ الورَقاتِ طيَّ غِلالَةٍ
    وُسمَتْ بطابَعِ ذوقكِ المترفِّعِ


    محْجوبةً كأميرةٍ شرقيةٍ
    في هَوْدَجٍ أستارُهُ لم تُرفَعِ


    حتى إذا أويتُها بَعْدَ السُّرى
    وخلعْتُ عنها لِبسةَ المتمنِّعِ


    هَشَّتْ لآنيتي وأشرَق لونُها
    وتردّدتْ أنفاسُها في مَضْجعي


    ومضتْ تُخالِسُني حَييَّ لحاظها
    لا تشتكي سَهْراً وفَرْطَ تطلُّعِ


    هي أنتِ أحلامٌ تغازلُ ناظري
    وتصبُّ حُلوَ حَديثها في مِسمعي


    هي أنتِ أطيافٌ تعانقُ مُهجتي
    وتفِرُّ حين تُحسُّ حُرْقةَ أضلعي


    أمستْ تُعابثُني وملءُ شفاهها
    من مُغرياتكِ بسمةٌ لِتَولُّعي


    ومكرتِ مكرَكِ يا حبيبةُ وانقضى
    ليلي وأنتِ لديَّ ساهرةٌ معي


    أرسلتِها عيناً عَلَيَّ رقيبةً
    تأتيكِ بالخبرِ العجيبِ الممتِعِ


    تُحصي حَراكيَ إن مشيتُ لشرفتي
    وتَعدُّ خطوي إن رجعتُ لموضعي


    شهِدَتْ بأني مُذ تركتُكِ حائرٌ
    متفرِّدٌ بصبَابتي في مخْدعي


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (ليت شعري أهكذا نحن نمضي)


    ليتَ شعري أهكذا نحنُ نمضي
    في عُبابٍ إلى شواطئَ غُمْضِ


    ونخوضُ الزمانَ في جُنْحِ ليلٍ
    أبديٍّ يُضني النفوسَ ويُنضي


    وضفافُ الحياةِ ترمقها العي
    نُ فبعضٌ يمرُّ في إثر بعضِ


    دون أنْ نملك الرجوعَ إلى ما
    فات منها ولا الرسوَّ بأرضِ


    حدثي القلبَ يا بحيرةُ ما لي
    لا أرى أولفيرَ فوق ضفافكْ


    أوشك العامُ أن يمرّ وهذا
    موعدٌ للقاء في مصطافكْ


    صخرةَ العهد ويكِ هأنذا عد
    تُ فماذا لديكِ عن أضيافكْ


    عدتُ وحدي أرعَى الضفاف بعينٍ
    سفكتْ دمعَها الليالي السوافكْ


    كنتِ بالأمسِ تهدرين كما أنْ
    تِ هديراً يهزُّ قلبَ السكونِ


    وضفافٍ أمواجها يتداعين
    على هذه الصخور الجونِ


    والنسيمُ العليل يدفع وهْناً
    زَبَدَ الموج للرُّبى والحزونِ


    ملقياً رغوَها على قدميها
    ليّنَ المسِّ مستحبَّ الأنينِ


    أتُرى تذكرينَ ليلةَ كنا
    منكِ فوق الأمواج بين الضفافِ


    وسرى زورقٌ بنا يتهادى
    تحت جنح الدجى وسترِ العفافِ


    في سكونٍ فليس نسمعُ فوق الْ
    مَوج إلا أغانيَ المجدافِ


    تتلاقى على الرُّبى والحوافي
    بأناشيدِ موجكِ العزَّافِ


    وعلى حين غرةٍ رنَّ صوتٌ
    لم يُعَوَّدْ سماعَه إنسيُّ


    هبط الشاطئَ الطروبَ فما
    يُسمعُ فيه للـهاتفات دويُّ


    وإذا الليلُ ساهمٌ سكنَ النو
    ء إليه وأنصتَ اللجيُّ


    يتلقى عن نبأةِ الصوت نجوى
    كلماتٍ ألقى بهنَّ نجيُّ


    يا زماناً يمرُّ كالطير مهلاً
    طائر أنتَ ويك قِفْ طيرانكْ


    أهناءَ الساعات تجري وتعدو
    نا عطاشاً فقفْ بنا جريانكْ


    ويكَ دَعْنا نمرحْ بأجملِ أيا
    مٍ ونلقى من بعد خوفٍ أمانكْ


    وإذا نحن لَذَّةَ العيش ذقنا
    ها ومرَّت بنا فَدُرْ دورانكْ


    بيد أنَّ الشقاءَ قد غمر الأر
    ضَ وفاضَ الوجودُ بالتاعسينا


    كلـهم ضارعٌ إليك يرجِّيك
    فأسرع أسرعْ إلى الضارعينا


    وافترس مُشقيات أيامهم وامْ
    ضِ رحىً تطحن الشقاء طحونا


    رحمةً فاذكر النفوسَ الحزانى
    وانسَ يا دهرُ أنفس الناعمينا

    عبثاً أنشدُ البقاءَ لعهدٍ
    يَفْلِتُ اليومَ من يدي ويفرُّ


    وسويعاتِ غبطةٍ ما أراها
    ووشيكاً ما تنقضي وتمرُّ


    وأنادي يا ليلة الوصل قرّى
    إن بعد السُّرى يطيب المقرُّ

    أسفاً للصِّبا وغرِّ ليالٍ
    ليس يُبقي على صباهنَّ فجرُ


    فلنحبَّ الغداة ولنحي حُبَّا
    ولنكنْ في الحياةِ بعضاً لبعضِ


    ولنسارعْ فنقتفي إثرَ ساعا
    تٍ فقد تؤذنُ النوى بالتقضِّي


    إننا في الحياةِ في عُرْضِ بحرٍ
    ليس نُلقي المرساةَ فيه بأرضِ


    ما به مرفأ يَبينُ ولكنْ
    نحن نمضي في لجِّه وهو يمضي


    حيث يُزجي لنا السعادَةَ أموا
    جاً من الحبِّ زاخرُ اللجاتِ


    أكذا أنت ذاهبٌ بليالي الص
    صَفوِ عنا سريعةَ الخطواتِ

    أكذا تنقضي حلاوةُ نعما
    ها كما ينقضي شقاءُ الحياةِ


    كيف حدِّثْ أغالـها منك صرفٌ
    في أبيدِ الزَّمانِ حيث طواها


    ويك قل لي أليسَ نملك يوماً
    أن نراها أما تبينُ خطاها


    أتراها ولَّتْ جميعاً ولما
    تبقَ حتى آثارُها أتراها


    أو ذاك الدهر الذي افتنَّ في صو
    غِ صباها هو الذي قد محاها


    أيْ أبيدَ الزمانَ والعدمَ العا
    تي غريقين في سكونٍ وصمتِ


    أيْ عميقَ اللجات ماذا بأيا
    م صبانا ماذا بهن صنعتِ


    حدثيني أما تعيدين ما من
    سكراتِ الغرامِ منا اختطفتِ


    أو ما تُطلقينها من دياجي
    كِ أما تبعثينها بعد موتِ


    أنتِ يا هذه البحيرةُ ماذا
    يكتمُ الموجُ فيك والشطآنُ


    أيها الغابةُ الظليلةُ رُدِّي
    أنت يا من أبقى عليها الزمانُ


    وهو يستطيعُ أن يُجدَّكِ حسنا
    إحفظي لا أصابك النسيانُ


    قلَّ حفظاً أن تذكري ليلةً
    مرَّتْ وأنتِ الطبيعةُ الحسَّانُ

    ليكُنْ منك يا بحيرةُ ما لجَّ
    بك الصمتُ أو جنون اصطخابكْ


    في مغانيكِ حالياتٍ تراءى
    ضاحكاتٍ على سفوح هضابكْ


    في مروج الصنوبر الحوِّ تهفو
    سابغاتِ الألياف حول شعابكْ

    في نتوءِ الصخور مشرفة الأعنا
    قِ بيضاً تطلُّ فوق عبابكْ

    وليكن في العباب يهدر أموا
    جاً على شاطئيك مثل الرعودِ

    في انتحابِ الرياح تعول في ال
    وِديان إعوال قلبيَ المفؤودِ

    في صدى الجدولِ الموقّع أنّا
    تِ حشاهُ بالجندلِ الجلمودِ

    في شذاكِ السريِّ ينشقُ منه ال
    قلب ريَّا فردوسه المفقودِ

    وليكنْ في النسيم ما هبَّ سار
    يهِ يجوبُ الشطآن نحوكِ جوبا

    في جبين النجمِ اللجينيِّ يُلقي
    فِضَّةَ الضوءِ في مياهك ذوبا

    وليكنْ في شتيتِ ما تسمع الأذ
    نُ وفيما نراهُ عيناً وقلبا


    ليكنْ هاتفٌ من الصوتِ يتلو
    قد أحبَّا وأخلصا ما أحبا

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (وأمسك الغيث كما لو كان يصغي مثلنا)

    وأمسكَ الغيثُ كما لو كان يُصغي مثلنا


    واعتنقتْ حتى وُريْقاتُ الغصون حولنا


    كأنما تخشى النسيمَ أو تخاف الغُصُنا


    وانبعث اللحنُ الشجيُّ من هنا ومن هنا


    يثور في إِيقاعهِ قيثارةً وأَرغُنا


    كأنّ جِنّاً في السماء يُشعلونَ الفِتنا


    كأن أرباباً بها يحاكمونَ الزّمنا


    يا صاحبَ الإِيقاع ما تعرف ما هجْتَ بنا


    الفجرُ أم ثارتْ على الشمس بوارقُ السّنى


    ما لك قد غنَّيتَهُ هذا النشيدَ المحزنا


    غنَّيتَهُ آلـهةً أم أنت غنّيتَ لنا

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (يا للعذوبة يا حبيبي حين أهبط للنهر)


    يا للعذوبةِ يا حبيبيَ حين أهبطُ للنَّهَرْ

    كيْ أستحمَّ وأنتَ تمعنُ في مفاتنيَ النظرْ

    لودِدْتُ لو أني أمامك قد جلوتُ محاسني

    بغِلالةٍ مُبتلَّةٍ كشفت جميعَ مفاتني

    أهوَى إلى الماءِ الـهبوطَ وأشتهي أن أتبعَكْ

    وأشدُّ ما أهواهُ منهُ صعودُنا وأنا معَكْ

    بيديَّ من سمكاتِهِ حمراءُ رائقةُ الجمالْ

    فتعالَ لي أنظرْ إليكَ تعالَ وانظرْ لي تعالْ

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

    (يا شرق ملء خاطري سحر وملء ناظري)

    يا شرقُ مِلءُ خاطري سِحرٌ وملءُ ناظري

    أوَحْيُ ليلك القديمِ أم رُؤى الزواهرِ

    يا شرقُ أيُّ ليلةٍ رائعةِ الدياجرِ

    نجومُها خلفَ الغمامِ أعينُ المقادرِ

    ترنو على جوانبِ السماءِ للمُهاجرِ

    تمدُّ من شعاعها مِثْلَ جَناح طائرِ

    رُعيا المحبِّ للحبيب حُفَّ بالمخاطرِ

    تقول ههنا السُّرى ومن هنا فحاذرِ

    يا شرقُ أيُّ ليلةٍ بَعَثْتَها من غابرِ

    حقيقةٌ تلوح لي أم ذاك حُلمُ شاعرِ

    أرى على صحيفة الزمان حدَّ باترِ

    تكمنُ في فِرِنْدِهِ جريمةٌ لغادرِ

    ومن بريقهِ تُطلُّ ألفُ عينِ فاجرِ

    مُلقىً وراءَ صخرةٍ كانت ملاذَ عابرِ

    أوَى إليها مُفرداً غيرَ أخٍ مناصرِ

    والبادياتُ حولـه رَوْعٌ وهمسُ حائرِ

    كأنما أنسامهنَّ تمتماتُ ساحرِ

    هو انتقالةُ الحياة وثبةُ الأداهرِ

    شدا الرعاةُ باسمه في الأعصرِ الغوابرِ

    وأودعوه فَرْحَةُ صوَادحَ المزاهرِ

    زَفُّوا به إلى الحياة أجمل البشائرِ

    لحنٌ وفيه قسوةُ العواصفِ الثوائرِ

    وفيه ثورةٌ على العقائد الدوائرِ

    يقتحم الذُّرى المنيعةَ اقتحامَ ساخرِ

    يهزأُ بالجيوش في ألويةِ القياصرِ

    يهدمُ كل فاسدٍ يهزمُ كل جائرِ

    ومن عجيبِ أمره يبني بناءَ قادرِ

    يا شرقُ سحرُك القديمُ مالِكٌ مشاعري

    هذي الطوالعُ الحسانُ في الحُلى النواضرِ

    المطلقاتُ بالنشيد أرخمَ الحناجرِ

    كأنهنَّ جَوقةُ الـهواتف الطوائرِ

    حيَّينَ مَوْلِدَ الربيع والسَّنى المباكرِ

    عرائسُ الخيالِ هُنَّ أو بناتُ خاطري

    ينثرن من أكفهنَّ أنضرَ الأزاهرِ

    على طريقِ مُلْهَمٍ مُخَلَّدِ المآثرِ

    يا شرقُ أيُّ روعةٍ جَلَوْتَها لناظري

    حقيقةٌ تلوحُ لي أم ذاك حُلْمُ شاعرِ

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (يا حبيبي أقبل الليل وناداني الغرام)

    يا حبيبي أقبلَ اللَّيلُ وناداني الغَرامْ

    أيُّ سرٍّ لمحبٍّ لم يُصَوِّرهُ الظلامْ

    كلُّ نجم مهجةٌ تهفو وعينٌ لا تنامْ

    وشعاعُ البدر معشوقٌ به جُنَّ الغمامْ

    يا حبيبي كلُّ عيشٍ ما خلا الحبَّ حرامْ

    وحرَامٌ يا حبيبي

    يا حبيبي غنَّت الفرحةُ في كلّ مكانِ

    فهُنا البُلبلُ يشدُو وهناكَ العاشقانِ

    غيرَ أنِّي أشتكي الوحشةَ في ظلّ التداني

    إنما روحُك في الكونِ وروحي توْأمانِ

    لا تدَعني أقطَع الأيامَ وحدي وأُعاني

    فحرَامٌ يا حبيبي

    يا حبيبي سئِمَ اللَّيل سكوتي واكتئابي

    أنا أهواكَ ولكن أنتَ لا تعلمُ ما بي

    لحظةً بين ذراعيكَ فقد طالَ عذابي

    لحظةً أمزجُ أنفاسَك بالقلبِ المذابِ

    وأُغنّي ويُغني لكَ حُبِّي وشبابي

    وسلامٌ يا حبيبي
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (ولفت ذراعين كالحيتين)


    ولفَّتْ ذراعين كالحيّتينِ
    عليَّ وبي نشوةٌ لم تطِرْ


    وقد قرَّبتْ فمَها من فمي
    كشِقَّينِ من قبَسٍ مُسْتَعِرْ


    أشمُّ بأنفاسها رغبةً
    ويهتفُ بي جفنُها المنكسرْ


    تبيَّنْتُ في صدرها مصرعي
    وآخرة العاشقِ المنتحِرْ


    أفي حُلُمٍ أنا أم يقظةٍ
    ومنْ أنتِ أيتها الخاطئهْ


    هو الحبُّ لا بل نداءُ الحياة
    تُلبِّيهِ أجسادُنا الظامئهْ


    يَخِفُّ دمي لصداهُ الحبيبِ
    وتدفعني القُدرةُ الـهازئهْ


    كأني ببحرٍ بعيدِ القرار
    طوى أفقَه وزوَى شاطئهْ


    أرى ما أرى جسَداً عارياً
    تضجُّ به الشهوةُ الجائعهْ


    أرى ما أرَى حَدَقيْ ساحر
    تؤجّان بالنظرة الرائعهْ


    أرى ما أرى شَفتيْ غادةٍ
    ترِفَّان بالقُبلَةِ الخادعهْ


    تُساقطني ثمراً ما أرى
    أرى حيَّةَ الجنَّة الضائعهْ


    بعينكِ أنتِ فلا تُنكري
    صفاتِ أنوثتكِ الشَّاهدهْ


    تَمثَّلْتِ شتَّى جسومٍ وكم
    تجدَّدْت في صُوَرٍ بائدهْ


    نعم أنت هنَّ نعم ما اري
    أرى الكلَّ في امرأةٍ واحدهْ


    لقد فنيَتْ فيك أرواحهن
    وها أنتِ أيتها الخالدهْ


    لقد كنتِ وحْي رَخامٍ يصاغُ
    فأصبحتِ لحماً يثير الدماءْ


    وكنتُ فتىً ساذجاً لا أرى
    سوى دميةٍ صوِّرت من نقاءْ


    أنيلُ الثرى قَدَميْ عابرٍ
    يعيش بأحلامِه في السماءْ


    فأصبحتُ شيئاً ككل الرجال
    وأصبحتِ شيئاً ككل النساءْ


    وكنتِ أميرة هذي الدُّمى
    وصورةَ حُسنٍ عزيز المنالْ


    وكنتِ نموذجَ فنِّ الجمالِ
    أحبُّكِ للفنِّ لا للجمالْ


    أرى فيكِ ما لا تحدُّ النّهى
    كأنكِ معنىً وراء الخيالْ


    فجرَّدْتِني رجلاً أشتهي
    وجرَّدتُ أنثى تشهَّى الرجالْ


    دعيني حواءُ أو فابعدي
    دعيني إلى غايتي أنطلِقْ


    أخمرٌ ونار لقد ضاق بي
    كِياني وأوشِكُ أن أختنِقْ


    أرى ما أرى لـهباً بل أشمُّ
    رائحةَ الجسد المحترقْ


    فيا لكِ أفعى تشهَّيتُها
    ويا ليَ من أُفعوانٍ نزقْ


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (لوجهك هذا الكون يا حسن كلـه)

    لوجهكَ هذا الكونُ يا حسن كلُّهُ
    وجوهٌ يفيضُ البشرُ من قَسَماتِها

    وتستعرضُ الدنيا غريبَ فنونها
    وتعرِبُ عن نجواكَ شتَّى لغاتِها

    ولولاكَ ما جاشَ الدجى بهمومها
    ولا افترَّ ثغرُ الصبحِ عن بسماتِها

    ولا سَعِدَتْ بالوهمِ في عالم المُنَى
    ولا شَقِيَتْ بالحبِّ بين لِدَاتِها

    ولا حَبَتِ الفنَّانَ آياتِ فنِّه
    ولا رُزِقَ الإبداع من نفحاتِها

    بكَرْتَ إلى الروضِ النضيرِ فزاحمتْ
    إليكَ ورودُ الأرض نوْرَ نباتِها

    وألقتْ بأنداءِ الصباحِ شفاهُها
    على قدميكَ العذبَ من قُبلاتِها

    تَشهَّى خُطىً فيها الرَّدَى وكأنها
    تصيبُ حياةَ الخلد بعد مماتِها

    ومِلْتُ إلى الأدْواحِ فانطلقتْ بها
    صوادحُ طار الصمت عن وُكُناتِها

    ومَدّ شعاع الفجر رَيِّقَ نورهِ
    يحيّيك يا ابن الفجر من شَعفاتِها

    فوا أسفا يا حسنُ لِلحظة التي
    تطِيشُ لـها الأحلامُ من وثباتِها

    ووا أسفا يا حسنُ للفرقةِ التي
    يعزُّ على الأوهامِ جمع شتاتِها

    وما هيَ إلا الصمت والبرد والدُّجى
    ودنيا يَشِيع الموتُ في جنباتِها

    فضاءٌ يروعُ الريحَ فيه نشيجُها
    وتفزعُ فيه البومُ من صرَخاتِها

    وتنتشر الأزهارُ من عذَباتِها
    وتَعْرى الغصونُ النُّضْرُ من ورقاتِها

    ويغشى السماءَ الجهمُ من كلِّ ديمةٍ
    تخدِّد وجه الأرضِ من عبراتِها

    هنالِكَ لا الوادي ولا العالمُ الذي
    عَرَفْتَ ولا الأيامُ في ضحكاتِها

    ولكنْ ردَى النفسِ التي كنتَ حُبَّها
    ونافثَ هذا السحرِ في كلماتِها

    مَضَتْ غيرَ شعرٍ خلَّدتْ فيه وحيها
    إليكَ فخذْ يا حسنُ وحيَ حياتِها
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (كليوبترا أي حلم من لياليك الحسان)

    كليوبترا أيُّ حُلمٍ من لياليكِ الحسانِ


    طافَ بالموجِ فغنَّى وتغَنَّى الشاطئانِ


    وهفَا كلُّ فؤادٍ وشدا كلُّ لسانِ


    هذه فاتنةُ الدُّنيا وحسناءُ الزمانِ


    بُعِثتْ في زورقٍ مُسْتَلـهمٍ من كلِّ فنِّ


    مَرِحِ المجدافِ يختالُ بحوراءَ تُغنِّي


    يا حبيبي هذه ليلةُ حُبِّي


    آه لو شاركتَني أفراحَ قلبي


    نبأةٌ كالكأس دارتْ بين عُشَّاق سُكارى


    سَبَقَتْ كلَّ جناحٍ في سماءِ النيل طارا


    تحملُ الفتنةَ والفرحةَ والوجدَ المثارا

    حلوةً صافيةَ اللحن كأحلام العذارى

    حُلُم عذراءَ دعاها حبُّها ذات مساءِ

    فتغنَّتْ بشراعٍ من خيالِ الشعراءِ

    يا حبيبي هذه ليلةُ حُبِّي

    آهِ لو شاركتَني أفراحَ قلبي

    وتجلَّى الزورقُ الصاعدُ نشوانَ يَميدُ

    يَتهدَّاهُ على الموج نَواتيُّ عبيدُ

    المجاديفُ بأيديهمْ هتافٌ ونشيدُ

    ومُصَلُّونَ لـهم في النهرِ محرابٌ عتيدُ
    سَحرَتهم روْعةُ الليلِ فهُمْ خلْقٌ جديدُ

    يا حبيبي هذه ليلةُ حُبِّي

    آهِ لو شاركتَني أفراحَ قلبي

    إصدَحي أيتها الأرواحُ باللْحنِ البديعِ

    إمرَحي يا راقصات الضوءِ بالموج الخليعِ

    قَبِّلي تحت شراعي حُلُمَ الفنِّ الرفيعِ

    زورقاً بين ضفاف النيلِ في ليلِ الرَّبيعِ

    رنَّحته موجةٌ تلعبُ في ضوءِ النجومِ

    وتُنادي بشعاعٍ راقصٍ فوقَ الغيومِ

    يا حبيبي هذه ليلةُ حُبِّي

    آهِ لو شاركتَني أفراحَ قلبي

    ليلُنا خمرٌ وأشواقٌ تُغنِّي حولنا

    وشراعٌ سابحٌ في النُّور يَرْعى ظِلّنا

    كان في الليل سُكارى وأفاقوا قبلنا

    ليتهم قد عرفوا الحبَّ فباتوا مثلنا

    كلما غرَّد كأسٌ شربوا الخمرةَ لحنا
    يا حبيبي كلُّ ما في الليل روحٌ يتغنَّى

    هات كأسي إنّها ليلة حُبِّي

    آهِ لو شاركتني أفراحَ قلبي

    يا ضِفافَ النيلِ باللّهِ ويا خُضرَ الروابي

    هل رأيتنَّ على النهر فتىً غضَّ الإهابِ

    أسمرَ الجبهةِ كالخمرةِ في النُّورِ المذابِ

    سابحاً في زورق من صُنع أحلامِ الشبابِ

    إن يكُنْ مَرّ وحيَّا من بعيدٍ أو قريبِ

    فصفيهِ وأعيدي وصفَهُ فهو حبيبي

    يا حبيبي هذه ليلةُ حُبِّي

    آهِ لو شاركتَني أفراحَ قلبي

    أنتِ يا من عُدْتِ بالذكرى وأحلام الليالي

    يا ابنةَ النَّهر الذي غنّاهُ أربابُ الخيالِ

    وتمنَّت فيه لو تسبحُ ربَّاتُ الجمالِ

    لم يَزَلْ يروي وتُصغي للرواياتِ الدهورُ

    والضفافُ الخضر سكرى والسَّنى كاسٌ تدورُ

    حُلمٌ لم تروهِ ليلةُ حُبِّ

    فاذكريه واسمعي أفراحَ قلبي
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (فلسطين لا راعتك صيحة مغتال)

    فلسطينُ لا راعتكِ صيحةُ مُغتالِ
    سلمْتِ لأجيالٍ وعشتِ لأبطالِ

    ولا عزّكِ الجيلُ المُفدّى ولا خبتْ
    لقومكِ نارٌ في ذوائبِ أجبالِ

    صَحَتْ بادياتُ الشرق تحت غبارهم
    على خلجات الرّوح من تُربِكِ الغالي

    فوارسُ يَسْتهدي أعِنَّةَ خيلـهم
    دمُ العرب الفادين والسؤددُ العالي

    بكلِّ طريقٍ منه صخرٌ مُنضَّرٌ
    وكلِّ سماءٍ جمرةٌ ذاتُ إِشعالِ

    هو الشرقُ لم يهدأ بصبحٍ ولم يَطِبْ
    رقاداً على ليلٍ رماكِ بزلزالِ

    غداةَ أذاعوا أنَّكِ اليوم قسْمةٌ
    لكلِّ غريبٍ دائم التِّيهِ جوَّالِ

    قضى عمره جمَّ المواطن واسمُهُ
    مواطنُها ما بين حلٍّ وترحالِ

    وما حلَّ داراً فيكِ يوماً ولا هفتْ
    على قلبه ذكراكِ من عهد إِسرَالِ

    محا اللّه وعداً خطَّهُ الظلمُ لم يكنْ
    سوى حُلُم من عالم الوهم ختَّالِ

    حمَتْهُ القنا كيما يكون حقيقةً
    فكان نذيراً من خطوبٍ وأهوالِ


    وفتَّحَ بين القوم أبوابَ فتنةٍ
    تُطِلُّ بأحداث وتُومِي بأوجالِ


    أراد اليمحو آيةِ اللّه مثلما
    أراد ليمحو الليلُ نُورَ الضحى العالي


    فيا شمسُ كُفِّي عن مداركِ واخمدي
    ويا شهب غُوري في دياجير آجالِ


    ويا أرضُ شُقِّي من أديمكِ وارجعي
    كما كنتِ قبل الرُّسْل في ليلكِ الخالي


    ضلالاً رأوا أن يسلوَ الشرقُ مجده
    وما هو بالغافي وما هو بالسَّالي


    ألا يا ابنةَ الفتح الذي نوَّرَ الثرى
    وطهَّرَ دنيا من طُغاةٍ وضُلاَّلِ


    وأكرمَ قوماً فيكِ كانوا أذِلَّةً
    فحرَّرهم من بعد رِقٍّ وإِذلالِ


    لكِ الشرقُ يا مهد القداسة والـهُدى
    قلوباً تُلبِّي في خشوعٍ وإِجلالِ


    لكِ الشرقُ يا أرضَ العروبة والعلى
    شعوباً تُفدِّي فيك ميراثَ أجيالِ


    وما هو من مستعمرٍ جاءَ بالـهوى
    ولا هُوَ من مستثمرٍ جاءَ بالمالِ

    هو الشرقُ أَلقى عن يديهِ قيودَه
    فلا تحسبيهِ في قيودٍ وأغلالِ

    سَلِيهِ تَهِجْ ما بين عينيكِ أرضُهُ
    مخالبَ نسرٍ أو براثنَ رئبالِ

    سَلِيهِ يمُجْ ما بين سمعيكِ أُفقُهُ
    زئيرَ أسودٍ أو زماجرَ أشبالِ

    سَلِيهِ الدمَ المهراقَ يَبذُلـهُ غالياً
    ويضربْ به في الحقِّ أروعَ أمثالِ

    ألا أيُّها الشادي الذي أطربَ الورى
    بحلو حديثٍ عن حقوقٍ وآمالِ

    وقال لنا في عالمِ الغدِ جَنَّةٌ
    غزيرةُ أنهارٍ وريفةُ أظلالِ


    سمعْنا خُدِعْنا وانتبهنا فحسبُنا
    لقد مَلَّتِ الأسماعُ قيثارك البالي

    ويا أيُّها الغربُ المواعدُ لا تزِدْ
    كفى الشرقَ زاداً من وعودٍ وأقوال


    شبعنا وجعنا من خيال مُنَمّقٍ
    ومنه اكتسينا ثم عُدْنا بأسمال


    فلا تندبِ الضَّعفى وتغصبْ حقوقهم
    فتلكَ إذاً كانت شريعة أدغال

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (أين من عيني هاتيك المجالي)

    أينَ منْ عَينيَّ هاتيكَ المجالي
    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ

    أينَ عُشاقُك سُمَّار الليَالي
    أينَ من واديكِ يا مهدَ الجمالِ

    موكبُ الغيدِ وعيدُ الكرنفالِ

    وَسُرَى الجُنْدولِ في عرض القنالِ
    بين كأسٍ يتشهى الكرمُ خمرَهْ

    وحبيبٍ يتمنَّى الكأسُ ثَغْرَهْ

    إلتقتْ عيني بهِ أوَّلَ مرَّهْ

    فعرفتُ الحبَّ من أوَّلِ نظرَهْ

    أينَ منْ عَينيَّ هاتيكَ المجالي

    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ
    مرَّ بي مُستضحكاً في قربِ ساقي

    يمْزُجُ الراحَ بأقداحٍ رِقاقِ
    قد قصدناهُ على غيرِ اتفاقِ

    فنَظرنا وابتسمنا للتَّلاقي
    وهوَ يَستهدِي على المفْرِقِ زهرَهْ


    ويُسوِّي بيدِ الفتنةِ شَعْرَهْ
    حين مسَّتْ شَفتي أوَّل قطرَهْ

    خِلْتُهُ ذوَّبَ في كأسيَ عِطرَهْ

    أينَ منْ عَينيَّ هاتيكَ المجالي

    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ

    ذَهبيُّ الشَّعرِ شَرقيُّ السِّماتِ
    مرِحُ الأعْطافِ حلوُ اللَّفتاتِ

    كُلَّما قلتُ لـهُ خُذْ قالَ هاتِ
    يا حبيبَ الرُّوحِ يا أُنسَ الحياةِ

    أنا من ضيَّعَ في الأوهامِ عُمْرَهْ

    نسيَ التاريخَ أو أُنسيَ ذِكرَهْ


    غيرَ يومٍ لم يَعُدْ يذكرُ غيرَهْ


    يومَ أنْ قابلته أوَّلَ مرَّهْ

    أينَ منْ عَينيَّ هاتيكَ المجالي


    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ
    قالَ من أينَ وأصغى ورَنا

    قلتُ من مصرَ غريبٌ ههُنا
    قالَ إن كنتَ غريباً فأنا

    لم تكنْ فينيسيا لي مَوْطنا
    أينَ منِّي الآن أحلامُ البُحَيْرَهْ

    وسماءٌ كَستِ الشطآنَ نضْرَهْ


    منزلي منها على قمةِ صَخْرَهْ
    ذاتِ عينٍ من مَعينِ الماء ثرَّهْ


    أينَ من فارسوفيا تلكَ المَجالي


    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ
    قلتُ والنشوةُ تسري في لساني


    هاجتِ الذكرى فأينَ الـهَرمان
    أين وادي السِّحرِ صدَّاحَ المغاني


    أين ماءُ النيل أين الضِّفَّتان
    آه لو كنتَ معي نختالُ عَبْرَهْ



    بشراعٍ تَسبحُ الأنجمُ إثرَهْ


    حيث يَروي الموجُ في أرخم نَبْرَهْ


    حُلْمَ ليلٍ من ليالي كليوبترَهْ
    أينَ منْ عَينيَّ هاتيكَ المجالي


    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ
    أيُّها الملاحُ قِفْ بينَ الجسورِ


    فتنةِ الدنيا وأحلامِ الدهورِ
    صفَّق الموجُ لولدانٍ وحورِ


    يُغرقون الليلَ في يَنبوع نورِ
    ما ترى الأغيدَ وضَّاء الأسِرَّهْ



    دقَّ بالساق وقد أسلَم صدْرَهْ


    لمحبٍّ لفَّ بالساعد خَصْرَهْ
    ليتَ هذا الليلَ لا يُطْلِعُ فجرَهْ



    أينَ منْ عَينيَّ هاتيكَ المجالي


    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ
    رَقَصَ الجُندولُ كالنجم الوضيِّ

    فاشْدُ يا ملاح بالصوتِ الشجيِّ
    وترَنَّمْ بالنشيدِ الوثَنيّ

    هذه الليلةُ حُلْمُ العَبقريِّ
    شاعتِ الفرحةُ فيها والمسرَّهْ


    وجَلا الحبُّ على العُشّاق سرَّهْ


    يَمنةً مِلْ بي على الماء ويَسرَهْ


    إنَّ للجندول تحت الليل سِحرَهْ


    أين يا فينيسيا تلك المجالي


    أين عُشاقُك سُمَّار الليالي
    أين من عينيَّ يا مهدَ الجمالِ

    موكبُ الغيد وعيدُ الكرنفالِ
    يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (أيغريك بالحب سود اللحى)



    أيغريكِ بالحبِّ سُودُ اللِّحى
    غِلاظُ الشِّفاهِ العراضُ الطِّوالْ



    كأنَّ الـهوى صُنْعُ أيديهمُ
    فمن غيرهم كلُّ عيشٍ مُحَالْ



    إذا شئتِ كان لنا عالَمٌ
    يحوط الأنوثةَ فيهِ الجلالْ



    حَمتْ رِقَّةَ الجنسِ ربَّاتُهُ
    فليس بها حاجةٌ للرجالْ



    لكلِّ اثنتينِ هَوىً واحدٌ
    تلاقَى على سرِّهِ مهجتانْ



    وعُشّ يضمهما في المساءِ
    وروضٌ به في الضُّحَى يعبثانْ



    وفي ركنِ خدْرهما مِغْزَلٌ
    وفوقَ الأريكةِ قيثارتانْ



    وتحت الوسادة أقصوصةٌ
    لقلبين لم يَروِها عاشقانْ



    ماذا تُرى صَنَعَ العاشقان
    وما ذكرياتُ الليالي الحسانْ



    حديثُكِ إنْ لم يكنْ بدْعةً
    فحُلمٌ جَرَى في قديمِ الزمانْ


    وصيحةُ مُخفقةٍ في الـهوى
    مُعَربدةِ الرُّوحِ سكرَى اللسانْ


    الأنوثةَ هذا الـهوانْ
    وفيها الدهاءُ القويُّ الجنانْ

    ـ
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



  2. #2
    الصورة الرمزية بن شرف
    بن شرف غير متصل اداري سابق
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    شرقـ..هذا الفراق اللي كسرني حزة غروبكـ..
    المشاركات
    1,010

    رد: من ديوان على محمود طه ...!

    ياهلاااا والله فيك اخوي لليل صبا
    مشكور ويعطيك ربي العافيه

  3. #3
    الصورة الرمزية ابونادر
    ابونادر غير متصل اداري سابق
    تاريخ التسجيل
    Apr 2005
    الدولة
    القصيم
    المشاركات
    16,489

    رد: من ديوان على محمود طه ...!

    تم النقل من قبلي


    ابونادر

    ..

  4. #4
    المخرج غير متصل [ مـتـمـيـز ]
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    445

    رد: من ديوان على محمود طه ...!

    مشكورين و الله على هذه الردود الجميله

    ابو نادر المشاركه مو هذا مكانها مكانه في القسم الثاني للشعر الفصحى وليس هنا ليست نثريه ولا قصص ومشكور على بذل المجهود وشكراً

المواضيع المتشابهه

  1. من ديوان الاعشى...!
    بواسطة المخرج في المنتدى منتدى الحمادين للشعر العام قصيدة و ابيات شعرية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 14/10/2007 - October 14th, 03:44 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع