النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    في قلب ديالى
    المشاركات
    87

    القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    نزول عِندَ رغبة اخوي العزيز برق الوسم ولانشغالي الفتره القادمه
    ..
    اليكم الحلقه الاخيره مِن القصه
    ..والله يعينكم بتتعبون ياحبايبي وانتم تقرون..
    والسَبب برق الوسم ههههههههههههههه
    الحلقه الاخيره
    في الدولشي فيتا/ وبواسطة سلامة
    انفتحت أمام امينة المفتي كُل الابواب الموصدة
    اذ اصبحت محل ثقة الفلسطينيين
    وعلاقاتها بالقادة طالت ياسر عرفات نفْسه
    لقدَ استعادت حيويتها وثقتها بنفسها
    وانخرطت فِي صفوف المقاومة تضمدَ الجروح
    وتبث فيهم الحماس والاستماتة فِي الكفاح
    وكَانت زياراتها المتعددة لمخيمات اللاجئين فِي الجنوب
    تصحبها فيها مجموعات طبية مِن المتطوعين
    تذكرة امان لدخول كُل المناطق المحظورة
    فكَانت عيونها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها
    واذأنها كَانت اجهزة تسجيل متطورة
    وانقلب عقلها الي الة جبارة مِن القوة بحيثُ لا يرهقها تزاحم المعلومات

    او رسم الخرائط بدقة متناهية

    او حفظ مئات الاسماءَ والمواقع

    او تذكر انواع الاسلحة واساليب التدريب
    لقدَ ادمنت استجلاءَ اوضاع الفلسطينيين
    مستغلة ثقتهم بها فِي ارسال المعلومات عنهم يوما بيوم الي الموساد
    كان المطلوب مِنها هُو كتابة تقارير وافية
    ووضعها فِي صندوق البريدَ "الميت"
    او تركها بسيفون حمام فندق الكورال بيتش
    تقول امينة فِي مذكراتها: اذكر انني فِي احدي المرات

    كنت احمل وثائق سرية وتقارير خطيرة

    وذهبت لمقابلة سلامة بالفندق
    كَانت حقيبتي مكتنزة باربعة وعشرون ورقة مِن اوراق البلوك نوت الكبيرة
    عندما فاجاني سلامة بمجيئه مبكرا قَبلما اتمكن مِن الدخول بها الي الحمام
    وكَانت ورقة واحدة مِنها فقط
    كفيلة بان يفرغ سلامة رصاصات مسدسه فِي صدري
    لقدَ كنت اجلس اليه باعصاب مِن فولاذ

    وعلي مقربة مني كَانت زميلتي وتحمل وثائق سفر قبرصية تكادَ تموت هلعا)
    هكذا عملت امينة دَاودَ بحرية مطلقة فِي التجسس علي القادة الفلسطينيين

    ورجال المقاومة
    ولم تدخر وسعا فِي البحث عَن كُل ما يهم الاسرائيليين فِي لبنان
    لقدَ زارت ياسر عرفات بمكتبه ثلاث مرات
    لتطلعه بنفسها علي العديدَ مِن السلبيات الَّتِي واجهتها فِي الجنوب اللبناني
    واهتم الزعيم بمقترحاتها وقدَ افردَ لَها مساحة طويلة مِن الوقت للاستماع اليها
    واوصي فِي الحال بالتحقق مما قالته
    وتلافي الاخطاءَ الَّتِي تعوق حركة المقاومة فِي الجنوب
    فتقربت امينة بذلِك مِن الزعيم الفلسطيني
    واصبح مكتبه مفتوحا دَائما أمامها
    وحدث ان كَانت فِي مقهي "الدولشي فيتا"
    حيثُ شَاطئ الروشة المتعرج الخيالي
    حينما توقفت فجآة أمام المقهي سيارة جيب عسكرية
    وتزل مِنها ثلاثة رجال فلسطينيين
    اتجهوا مسرعين الي حيثُ تجلس تشرب القهوة
    وقال احدهم بحسم: نعرف انك هُنا

    وعليك مرافقتنا الان
    اسقط ما فِي يدَ امينة
    ولم تقدر علي الوقوف
    بينما الرجال الثلاثة ترسل عيونهم سهاما مِن توتر
    زيارة الي العبد/ كَانت السيارة العسكرية تخترق شَوارع بيروت بسرعة مذهلة
    بينما كَانت امينة المفتي متكورة الي يمين السائق
    تنتفض عروقها رعبا
    ويرتعدَ بدنها كله لهول النهاية
    لم تسال مرافقيها عَن وجهتهم
    او لنقل أنها لَم تجرؤ علي ذلك
    اذ انحصر تفكيرها فِي تحين الفرصة المناسبة للبحث عَن كبسولة سم السيانيد
    الَّتِي خباتها بَين خصلات شَعرها بواسطة شَريط لاصق
    فحتما سيكتشف الجنودَ المدججون بالسلاح ذلِك عندها سيضطرون الي تكبيلها بالسلاسل الحديدية
    فتضيع مِنها فرصة الانتحار الوحيدة
    تنبهت امينة قلِيلا وتعجبت
    فالسيارة عرجت بها فجآة الي طريق مخيم شَاتيلا
    تري

    هل اقام الفلسطينيون معتقلات الخومة بداخِل المخيمات هكذا تساءلت فِي نفْسها
    وقبلما تسعفها الاجابة انطلق صوت أحدَ الجنودَ مِن خَلفها
    يحث السائق علي ان يزيدَ مِن سرعته
    فالجرحي الَّذِين جيء بهم مِن الجنوب كثِيرون
    وعِندَ هَذه العبارة افاقت امينة تماما
    سالت الجندي عَن الامر
    فاجابها بانهم ضحايا احدي الغارات الاسرائيلية علي معسكر فلسطيني بالقرب مِن مفرق مخيم عين الحلوة السيروب فِي صيدا
    ونظرا للعجز الكبير فِي الاطباءَ المتطوعين
    دلهم علي مكأنها مكتب المخابرات "الذي يتراسه علي حسن سلامة"
    فاستجمعت امينة شَتات عقلها فِي صرخة مدوية: غبي

    غبي.
    كلكُم اغبياءَ وتيوس اهكذا تستدعون ضيوفكم وبينما ينطلق صرخها بالسباب
    وبأنها ستشكوهم لعرفات شَخصيا
    كان الجنودَ يعتذرون لَها

    ويلحون فِي ذلِك ايما الحاح
    تلك الحادثة

    لم تسقط ابدا مِن ذاكرة امينة
    اذ زرعت لديها شَعورا قاتما بالخوف فِي قدراتها التجسسية بَين اناس يشكون فِي كُل غريب وافد
    لذلك
    كان عَليها ان تغسل الخوف الملتصق بها
    وتتعاطي جرعات كبيرة مِن الهدوء


    والتعلم


    والحنكة
    وما كَان يتاتي لَها ذلِك الا فِي اسرائيل
    هكذا أنهت عملها فِي مستشفي مخيم شَاتيلا
    واستاذنت فِي السفر الي فيينا لتسجيل اسمها لدي احدي جمعيات الطفولة الدولية
    وهُناك

    في شَقتها الخاوية بَين الجدران الصماءَ والفراشَ البارد
    اهاجتها الذكريات فضربت عمق وعيها
    واخذت تطوف بالغرف مِن جديدَ تتحسس الارائك والادراج واحذية موشيه القديمة
    وتقلب صفحات الالبومات تتلاحق انفاسها فِي اضطراب وشجن
    وبكت كثِيرا بَين احضان سارة بيرادَ شَقيقة زوجها المفقود
    وسافرت معها الي حيثُ يقيم والدي موشيه فِي وستندورف
    يجرعان الاسي ويعتصرهما المرار
    هناك

    تخلت امينة عَن أهم قواعدَ الجاسوسية
    وهي السرية المطلقة
    وتفاخرت أمامهم جميعا بأنها تثار لموشيه كُل يوم مِن القتلة العرب
    وتنتقم مِنهم دَونما رحمة أو شَفقة
    قصت عَليهم أيضا الكثير مِن اسرار عملياتها فِي بيروت
    وما كَانت تعلم ان سارة المنخرطة فِي جماعات الهيبيز
    تصادق شَابا فلسطينيا قتل اليهودَ والده
    فهام يتيما

    بائسا

    متسكعا

    يجوب مدن اوروبا بلا هدف

    او وطن
    وبجواز سفرها الاسرائيلي
    طارت امينة الي تل ابيب تحمل جرعة هائلة مِن الغضب

    تدفعها بقوة لان تستمر

    وتنطلق بِكُل كيأنها لتثار

    وتثار
    وفي مذكراتها عَن رحلتها تلك الي فيينا قالت: اليَوم 18 سبتمبر 1973 زرت شَقتي بفيينا وانا بطريقي لاسرائيل كَان جسدي يرتعشَ وانا اصعدَ الدرج
    وفشلت مرات فِي معالجة الباب
    وعندما اضات الانوار واجهتني صورة موشيه الكبيرة باللباس العسكري
    فمسحت زجاج الاطار وقبلته
    وعلقت باقة مِن زهور البانسيه الَّتِي يحبها الي جواره
    لقدَ خيل الي ان ابتسامته الرائعة تفيض بالعتاب

    بل هِي كذلك
    فتذكرت

    يا لغبائي

    كيف دَفعته بنفسي الي نهايته
    عندما شَجعته علي الهجرة لاسرائيل
    حاولت ان استعيدَ ابتسامته فلم انجح
    لحظتها

    ركعت علي ركبتي أمامه واشجهشت بالبكاء
    ورجوته بالا يولمني أو يغضب مني
    فانا انتقم لَه

    واخذ بثاره
    ولن اهدا حتّى اشهدَ بنفسي بحور الدم المراق تعلوها الاشلاءَ الممزقة
    واري الف زوجة عربية تبكي زوجها
    والف ام فقدت ابنها
    والف شَاب بلا اطراف
    عندئذ فَقط

    لمحت ابتسامته وقدَ ارتسمت مِن جديد
    واحسست كَما لَو ان يداه كَانتا تحيطان بي

    !!)
    يا للخائنة المحشوة حقدا
    لم تكفها كُل تلك الخيانات للدين والوطن
    فطفقت تبحث عَن المزيدَ والمزيد
    الذي تطفئ بِه نيران الغضب المشتعل بعروقها
    ولذلك

    كَانت رحلتها الي اسرائيل
    لتستمدَ الهدوء

    والتعلم

    والخبرة
    ولكي تجيدَ فنون التجسس

    والانتقام
    التقاءَ الخونة/ لَم يكن لَها فِي اسرائيل مِن اصدقاء
    سوي نفر قلِيل مِن رجال الموساد
    الذين فوجئوا بها وقدَ علتها مسحة قاتمة مِن الارهاق
    طلبوا مِنها ان تستريح بشقتها ريثما تهدا
    وحتي لا تزيدها الوحدة ارقا
    صاحبتها طبيبة نفْسية يهودية مِن اصل عراقي تدعي زهيرة
    وفي شَقتها بمدينة ريشون لتسيون 1)
    عملت زهيرة علي تهيئتها للاندماج بالمجتمع الاسرائيلي
    تمهيدا لاستقرارها النهائي
    بما يَعني الاكتفاءَ بخدماتها السابقة كعميلة فِي الموساد
    لقدَ كَانت مُهمة زهيرة الا تفاتحها فِي امر أنهاءَ خدمتها
    فَهي ليست منوطة بذلك
    ولكن تنحصر فِي اذابة جدران العزلة النفسية الَّتِي تحيط بالعميلة
    بدمجها شَيئا فشيئا باليهودَ العرب
    وخلق محيط اجتماعي موسع مِن حولها
    لقدَ حدثتها صديقتها الجديدة عَن المهاجرين العرب مِن اليهود
    الذين قدموا مِن شَتي الاقطار المجاورة
    وكيف استساغوا العيشَ فِي المجتمع الجديدَ المتحرر
    وحدثتها كذلِك عَن بَعض المسيحيين الَّذِين فروا الي اسرائيل طلبا للحرية والامن
    ومن بَين الَّذِين ذكرتهم
    النقيب الطيار منير روفه الكاثوليكي العراقي الَّذِي فر لاسرائيل بطائرته الحربية 2)
    وعندما ابدت امينة رغبتها فِي لقائه
    عرضت زهيرة الامر علي رؤسائها فجاءتها الموافقة
    وتم ترتيب اللقاءَ بمنزل روفة بَين زوجته واولاده
    كَانت امينة فِي شَوق بالغ للقاءَ الطيار الهارب
    ليس لانه عربي بل لتساله عما يجول بخاطرها مِن تساؤلات قَدَ تفيدها معرفة اجاباتها
    وبابتسامة عريضة بباب منزلهما
    رحب منير وزوجته بامينة

    وقاداها الي الداخل
    كان منير روفة فِي ذلِك الوقت فِي الثامنة والثلاثين مِن عمره
    اسمر

    واسع العينين والجبهة

    غزته مقدمات الصلع
    اما الزوجة مريم فكَانت علي مشارف العقدَ الرابع
    طويلة

    ذَات شَعر انسيابي طويل
    وفم واسع

    فجاءَ

    لها صوت خشن
    كَانت مظاهر الثراءَ بادية جداً علي المنزل واهله
    وبرغم ذلِك جاءت مريم بالحلوي والشاي بنفسها
    ولما سالتها امينة ممتنة علي الخادمة
    اجابتها المضيفة بان المجتمع الاسرائيلي ما زال بحاجة الي تطور وينظر الي المرآة الَّتِي تجلب خادمةنظرة اتهام بالبرجوازية
    لذلِك فَهي تَقوم بمهام المنزل بنفسها
    اما منير

    فقال لَها أنه مر بحيآة عصيبة فِي البداية
    حيثُ كَان يجهل العبرية وبلا عمل ولا اصدقاء
    ويتابعه كظله رجلا امن فِي الشارع والبيت
    ثم عمل لبعض الوقت بجيشَ الدفاع
    والآن يمتلك وكالة اعلانية كبيرة خاصة بِه اسمها الاضواءَ "الحانوكا"
    وتعمل معه مريم كمديرة لمكتبه وللعلاقات العامة
    ولما سالته امينة: كَيف يفشل طيار محترف فِي القفز إذا اصيبت طائرته فِي الجو

    وهل الطائرة السكاي هوك الاميركية تتحَول الي مقبرة لقائدها قَبلما تسقط
    . كَانت تُريدَ اجابات محددة ومنطقية
    فربما استمرت فِي التعلق بامل عودة زوجها موشيه
    او بنسيان الامر نهائيا
    فضباط الموسادَ كَانت اجاباتهم مبهمة ولا تحمل نفيا تاما أو تاكيدا
    وذلِك ما يحيرها ويرهق عقلها فافاض منير روفة فِي الشروح

    واوضح لَها ان الطائرة سكاي هوك S KY HAWK-4H الَّتِي طار بها موشيه اعتمدَ تصميمها علي حماية الطيار
    وهي مزودة بكرسي قذف مزدوج
    ويمكن اطلاقه مِن ارتفاع الصفر وبسرعة الصفر أيضا وهو كرسي قاذف مِن طراز دَو جلاس اسكاباك A C3 وكابينة القيادة بها مدرعة فِي المقدمة والمؤخرة والجانب الايسر
    وسمك التدريع حوالي 18 مم
    واكدَ لَها علي ان زوجها موشيه اما اصيبت طائرته بصاروخ "سام 6"
    وفي هَذه الحالة ربما يَكون اسيرا لدي السوريين
    او ان صاروخا طراز ATOLL جو / جو
    اصاب بِه السوريين كابينة قيادته الفقاعية فانفجرت بِه الطائرة فِي الجو
    كَانت اجابة روفة الأكثر شَروحا تعطي ذَات الاجابة الَّتِي سمعتها مِن قَبل
    فلا هُو اوضح نافيا أو مؤكدا
    وبقي السؤال كَما هو: هَل موشيه بيرادَ ما يزال حيا فِي قبضة السوريين ام انفجرت بِه الطائرة فِي الجو

    وفي الحالة الاخيرة

    لا بدَ ان يعثر السوريون علي بَعض مِن اشلائه

    ومن ثُم يعلنوا الخبر

    وهو ما لَم يحدث
    !!
    الافعي الغاضبة/ عادت امينة الي شَقتها أكثر قلقا

    وغضبا
    يحفها الاصرار علي الانتقام لزوجها
    لكن صدمتها كَانت قاسية جدا
    عندما زارها مسؤول بالموساد
    وبعدَ حديث طويل عَن فدائيتها الشجاعة فاجاها بقوله: سيدتي بَعدَ هَذا العناءَ الكبير

    يري رؤسائي فِي الجهاز أنه مِن الواجب العمل علي اراحتك

    وحمايتك
    وجئت اليك لاعرض رغبتهم فِي الوقوف علي ما تُريدينه
    ولاطلعك علي العمل الجديدَ الَّذِي ينتظرك
    وهو بلا شَك عمل مثير ويتناسب مع

    قاطعته امينة قائلة: اتقصدَ سيدي أنهاءَ عملي فِي بيروت وجاءَ رده أكثر حسما: وفي الموسادَ سيدتي

    وسوفَ تحصلين علي
    لم تتركه امينة يكمل جملته اذ انطلقت بِكُل الغضب الكامن باعماقها تقول: لَن اقبل ذلِك ابدا

    فانا ما جئت لاسرائيل هَذه المَرة الا لانني اهتززت قلِيلا أمام موقف استدعائي
    ولماذَا هكذا تستغنون عَن خدماتي لكُم بسهولة؟
    بالرغم مِن انني فرصة ذهبية لا يَجب ان تضيعوها
    فانا جئتكم بالكثير عَن اخبار المقاومة الَّتِي تهددَ مستعمراتكم فِي الشمال
    واطلعتكم علي اشياءَ كَانت غامضة لكم
    كل ذلِك دَون ان اقبض منكم سوي الفي دَولار
    ارجو ان

    دَعني اكمل مِن فضلك
    هل تستطيع ان تؤكدَ لِي ان أحدَ عملائكم جلس وتحدث مَع علي حسن سلامة أو ان احدهم وصف لك مبني قيادة المنظمة الفلسطينية مِن الداخِل اما أنا فقدَ دَخلت لمكتب عرفات

    والتقي بسلامة مرتين اسبوعيا
    وبواسطة جسدي هَذا رفعت عباءتها فكشفت عَن عورتها حتّى لقرب صدرها جئتكم بالتليفونات السرية لكُل القادة الفلسطينيين
    ليتنصت جواسيسكم هُناك عَليها
    وخلعت ثيابي لكُل كلب نتن الرائحة فينتهك جسدي لاجلب كلم الاسرار

    والوثائق

    والمعلومات

    وفي النِهاية تقولون لِي ببساطة: شَكرا

    ! سيدة امينة

    نحن ما فكرنا الا بحمايتك

    وما كنا سنبخس عليك حقك
    كَانت امينة ترتعدَ حقا

    ويهتز بدنها كله وقدَ امتقع لونها

    واكفهر الوجه يغشاه اصفرار وهي تقول: هَل تستطيع ان تجيبني لماذَا أنا فِي اسرائيل الآن الانني لا اجدَ ماوي بَين اهلي
    ام لانني احببت يهوديا وتزوجته

    لا اقول ذلِك لانني احسست ب الندم.
    لا

    فانا بعت الدنيا كلها مِن اجله.
    بعت اهلي

    وديني.
    ووطني لاكون معه
    ولانه مات

    فانا لَن اكف.
    نعم.
    لن اكف وهل أنا عبء ثقيل عليكم
    الامر ليس كَما تعتقدين سيدتي

    اردفت امينة وصوتها كفحيح الافعى
    ينفث الغضب والكراهية كالسم: ابلغ رؤسائك انني لَن اتوقف ابدا
    حتي ولو ادي الامر لان اغادر اسرائيل الي الابدَ وعندها قَدَ افكر

    وبعيدا عنكم

    بعملية انتحارية دَاخِل مكتب عرفات شَخصيا انزعج الرجل

    واسرع الي رؤسائه ينبئهم بالامر

    وبلهجة الصدق والاصرار والغضب فِي صوتها
    وكان لا بدَ مِن ايجادَ حل والا فهُناك كارثة مؤكدة قَدَ تقع بَين لحظة واخرى
    ففي الحال

    صدرت الاوامر للمطار بمنع اني موشيه بيرادَ امينة المفتي مِن مغادرة البلاد
    التليفون المجهول/ بشارع كيريا فِي تل ابيب اجتمع عدَدَ مِن الخبراءَ فِي مبني الموساد
    للوصول الي قرار حاسم بعودة امينة الي بيروت مِن جديد
    او الاكتفاءَ بخدماتها وابقائها فِي اسرائيل
    لقدَ قراوا جميعا تقريرا وافيا عَن العميلة الثائرة

    والَّتِي صنفت مِن الفئة "ا" وهَذه الفئة مِن الجواسيس يتدرج تَحْتها كُل مِن يعملون فِي البلادَ العربية بِدون أي غطاءَ دَبلوماسي يحميهم ووصف التقرير امينة بأنها تعاني مِن اضطرابات شَخصية
    وتمتلك القدرة الَّتِي تمكنها مِن الانتقال مِن أحدَ جوانب الموقف الي جانب اخر
    وهو ما يعرف فِي علم النفس باسم الاتجاه المجردَ ABSTRACT ATTITUDE
    وتتنامي لديها اعراض الكابة نتيجة لومها الدائم لنفسها
    باعتبار ان ما حدث لزوجها كَانت هِي السَبب فيه
    وعندما تزدادَ الاعراض حدة تصبح أكثر اكتئابا وتخوفا
    مما ينمي مشاعر "الاتهام بالذات" S ELF CONDEMINATION لديها والمريض فِي هَذه الحالة فِي ياس خطير لانه مُهموم بالماضي
    ويحس ان لا امل البتة فِي المستقبل بسَبب الفعلة الَّتِي ارتكبها
    هَذه المشاعر القلقة المحملة بالياس والبؤس
    عادة ما تعتصر المريض
    وقدَ تقوي عنده نزوة الانتحار
    واشار التقرير الي ان حالة امينة هَذه لا ينصح فيها بعلاج العقاقير
    حيثُ لَن تنتظر التحسن طوال مدة العلاج
    بقدر ما تشعر بالتحسن والهدوء فِي عملها بالموساد
    ففي ذلِك اقناع لَها علي ان ما تؤديه مِن عمل
    يمثل لديها قمة الثار لما ارتكبته بحق موشيه
    وبناءَ عَليه

    راي فريق مِن خبراءَ الموسادَ ان امينة
    ربما تشعر بالزهو E LATION فِي عملها
    فتتخلي عَن حذرها وتنكشف
    لكن الاغلبية رات أنها جديرة بالعمل فِي بيروت
    ومع حصولها علي دَورات تدريبية مكثفة
    ستَكون أكثر حذرا

    واقبالا

    وشغفا
    وانتهي الاجتماع بالموافقة علي عودتها للبنان
    وذل بَعدَ موافقة ريفي رامير رئيس الموساد
    هكذا تحددَ لَها ان تستمر وتواصل توغلها بَين القيادات الفلسطينية
    وجاءوا بها الي المبني المركزي حيثُ جلس اليها أحدَ كبار الرسامين
    ومن خِلال وصفها لعلي حسن سلامة
    استطاع ان يرسم صورا تقريبية له
    وتعهدَ بها اثنان مِن الضباط الخبراء
    احدهما تولي تدريبها علي إستعمال احدث ما ابتكره العلم فِي مجال اجهزة اللاسلكي
    وتقرر لَها بث رسائلها مرتين اسبوعيا يومي الخميس والاثنين
    وتلقي الرسائل مِن تل ابيب كُل ثلاثاءَ فِي الحادية عشرة ودقيقتين مساء
    كَانت امينة طوال فترة تدريبها المكثفة فِي حالة سعادة غامرة
    فَهي ستزدادَ خبرة تمكنها مِن اجادة عملها
    وبالتالي يَكون انتقامها عظيما فتستريح نفْسها ويهدا بالها
    وفي الثالث مِن اكتوبر 1973 غادرت تل ابيب الي فيينا
    حيثُ تسلم مِنها عميل الموسادَ جواز سفرها الاسرائيلي
    وسلمها الجواز الاردني مَع تذكرة سفر الي بيروت فجر اليَوم التالي
    هَذه المرة

    عندما دَخلت شَقتها فِي فيينا لتمكث بها عدة ساعات
    لاحظت ان ابتسامة موشيه لازالت مرتسمة كَما هي
    بل كَانت نظراته أكثر بهجة واطمئنانا
    وقبلما تغادر شَقتها الي المطار بثوان.
    انتفضت فجآة عندما دَق جرس التليفون
    وتسمرت مكأنها للحظة.
    ثم اتجهت صوب الكابل فنزعته.
    وانطلقت فِي شَوق للعمل

    للثار
    تحمل بَين امتعتها جهز راديو يحمل ماركة عالمية معروفة
    هو بالاصل جهاز لاسلكي أكثر تطورا ولا يُمكن اكتشافه
    وبحقيبة يدها كَانت تَحْتفظ بالمصحف الشريف

    وقدَ نزعت عدة صفحات مِنه واستبدلت بصفحات اخري تحمل الشفرة
    نفيه شَالوم/ وما ان خطت امينة عدة خطوات بمطار بيروت الدولي
    متجهة الي حيثُ يتحرك السير بحقائب الركاب
    حتي صدمت بشدة لمشهدَ شَاب يقتاده رجال الامن
    وبينما تتابع المشهدَ

    فوجئت بيدَ قوية تربت علي كتفها مِن الخلف
    فصدرت عنها صرخة مكتومة هلوعة
    وسقطت فِي الحال حقيبة يدها علي الارض
    واوشكت هِي علي السقوط
    لكنها بِكُل ما تملك مِن قوة تماسكت

    واستدارت لتصطدم بوجه صديقها مارون الحايك
    تغطي وجهه نظارته الشمسية السوداء

    وينسدل شَعره اللامع لقرب كتفيه
    تنفست الصعداءَ

    وودت لَو ان تصفعه بقوة

    وتظل هكذا تصفعه حتّى ينقشع الخوف الَّذِي حل باعماقها مِن جديد
    واعادها الي تلك الحالة الاولي الَّتِي غادرت بسببها بيروت الىتل ابيب
    وفي بشاشة مصطنعة سالته
    اوه

    ايها الماكر

    اكنت معي علي اللوفتهانزا قادما مِن فيينا
    . خلع نظارته مبتسما وهو يضغط علي كفها ضغطا ذا مغزي واجاب: بحثت عنك كثِيرا فِي بيروت فلم اجدك

    وكنت امني نفْسي بان نمضي معا اسبوعا خياليا فِي نيقوسيا
    نيقوسيا
    . نطقتها وقدَ كست وجهها بالدهشة
    سالت عنك مانويل وخديجة وحارس البناية

    ضاربة صدره بيديها وقدَ افتعلت التحسر: مجنون

    مجنون

    (!! لماذَا لَم تخبرني قَبلها بوقت كاف
    . كَم كنت مشوقة لرحلة كهَذه معك
    غمز بطرف عينيه ضاحكا وقال: سنتدبر الامر عما قريب ايتها الانثي الشقية
    انظري

    ها هِي حقائبي وصلت الان
    ولان لبنان بلدَ سياحي حر

    فامور التفتيشَ فِي المطارات والمواني شَكلية جدا
    ولا تخضع لرقابة صارمة كَما فِي سائر البلادَ العربية
    علي اعتبار ان التدقيق الزائدَ يسيىء الي السواح

    الذين هُم عمادَ الاقتصادَ واحدَ اسباب الرخاء
    لذلِك

    لم ينتبه رجال الجمارك لجهاز اللاسلكي المدسوس بحقيبة امينة
    فبيروت كَانت فِي تلك الفترة فِي اوج انفتاحها

    وسوقا رائجة لتجارة السلاح

    والمخدرات

    والرقيق الابيض

    والجواسيس
    وفي الساعات الاولي مِن صباح 6 اكتوبر 1973
    اطلقت امينة اولي اشارات البث اللاسلكي الي تل ابيب: ار
    كيو
    ار
    وصلت بسلام
    الامير الاحمر فِي اوروبا
    تعرفت بضابط فلسطيني يدعي ابو ناصر
    وعدني مارون بان ياخذني معه الي مبني الهاتف المركزي
    غادر جورج حبشَ الي تونس سرا
    رجاله يقاتلون سبعة مِن رجال حواتمة
    ابو عمار بالبيت مصابا بالبرد
    شحنة ادوية وصلت سرا مِن رومانيا للقيادة
    يُوجدَ نقص كبير فِي الأنتي بيوتكس
    تحياتي
    نفيه شَالوم "واحة السلام")
    استقبلت الموسادَ رسالة امينة بشيء مِن الاطمئنان والفرح
    فالرسالة كَانت واضحة الشفرة بلا اخطاء
    والاخبار الَّتِي حوتها هامة جداً استدعت دَخولها الي غرفة التحليل والمتابعة علي الفور
    وسرعان ما تسلمت امينة أول رسالة بثت اليها مِن اسرائيل: تهانينا بالوصول
    اهتمي بتحركات الامير
    ابو ناصر خبيث جداً فاحذريه
    لا تهتمي بمارون الان
    من يطبب ابو عمار "عرفات"
    ماذَا ببطن الباخرة كَيفين فِي صيدا
    نريدَ معلومات عَن مخازن الاسلحة بمخيم البداوي فِي طرابلس
    ومراكز التدريب الجديدة فِي قلعة شَقيف).
    وبينما تهيات العميلة الاسرائيلية للتحرك

    مدفوعة بشوق جارف الي العمل
    انطلقت شَرارة الحرب وعَبر المصريون خط بارليف المنيع
    وعمت مظاهرات الفرح بيروت
    وكَما بكي رافت الهجاءَ بكاءَ مرا فِي اسرائيل اثر هزيمة 1967
    انهارت امينة المفتي فِي 1973
    تناقض عجيب بَين الحالين
    فتلك هِي النفس البشرية فِي اندفاع الوطنية أو الخيانة
    الحب الجارف أو الكره المقيت
    الحية الشوهاء/ نشطت امينة المفتي فِي عملها التطوعي كطبيبة عربية تجوب انحاءَ لبنان
    وجاسوسة اسرائيلية تمدَ الموسادَ بالمعلومات الحيوية عَن تحركات الفدائيين فِي الجنوب
    الذين شَحنتهم انتصارات الجيوشَ العربية فازدادوا استبسالا وضراوة
    وعادَ علي حسن سلامة مِن اوروبا لترتيب خطط العمليات الجديدة
    فالعدو فقدَ السيطرة علي نفْسه

    وعلي اتزانه

    والضربات القوية تترك اثارها بوضوح علي وجهه المشوه
    هكذا انطلق رجال المقاومة فِي الجنوب اللبناني يضربون فِي العمق الاسرائيلي بلا كلل

    واستدعي ذلِك مِن امينة ان تترك بيروت الي صور

    ومعها جهاز اللاسلكي الخطير
    حيثُ عكفت علي بث رسائلها يوميا

    والَّتِي وصلت فِي احيان كثِيرة الي خمس رسائل مهددة حياتها للخطر
    واضطرت الموسادَ أمام سيل رسائلها الي فَتح جهاز الاستقبال علي الترددَ المتفق عَليه
    لساعات طويلة علي مدار اليوم
    هكذا كَانت امينة المفتي تنتقم
    وتفرغ شَحنات غضبها فِي رسائل يومية مبثوثة قَدَ تعرضها للانكشاف والسقوط
    لكنها لَم تكُن تستمع لنداءات الخوف ابدا
    اذ اندفعت بجرآة أكثر
    وحملت جهاز اللاسلكي فِي جولة لَها بمنطقة بنت جبيل علي مسافة خمسة كيلو مترات مِن الحدودَ الاسرائيلية
    هُناك فوجئت ببعض زعماءَ الجبهات الفلسطينية
    برفقة ابو ايادَ 1 يتفقدون جبهة القتال ويصيحون فِي الجنودَ فيثيرون حماستهم
    لحظتها

    تملكها الحقدَ والغضب

    وبمنتهي الجرآة اختلت بنفسها دَاخِل أحدَ الكهوف.
    وبثت رسالة عاجلة الي الموسادَ
    (اي
    كيو
    ار
    عاجل جداً وهام
    ابو ايادَ وقيادات الجبهات فِي بنت جبيل
    موقعهم مائة وخمسون مترا شَرق القبة العلوية بجوار فنطاس المياه بَين شَجرتي الصنوبر
    اضربوا الموقع كله ودمروا السيارات الجيب والليموزين
    ساكون علي بَعدَ معقول مِنهم
    سافَتح الجهاز لاربعة دَقائق
    نفيه شَالوم)
    وجاءها الردَ قَبل ثوان مِن انتهاءَ المهلة: ابتعدي عَن الرتل وانبطحي ارضا عِندَ ظهور الطائرات)
    اغلقت امينة الجهاز بَعدما ترجمت الرسالة
    واستعدت لتشهدَ بنفسها المجزرة
    لكن يا لحظها السيء.
    لقدَ لعب القدر لعبته وتحرك رتل السيارات باتجاه الشمال
    بينما وقفت عميلة الموسادَ تتحسر

    وتقلب عينيها فِي السماءَ بانتظار الطائرات
    خمس دَقائق تمر.
    عشر دَقائق.
    عشرون دَقيقة
    لم تستطع الصبر ففتحت جهاز اللاسلكي وهي تلعن الانتظار وبثت رسالتها ار.كيو.ار
    تحرك الهدف الي الشمال طريق تبنين منذُ 21 دَقيقة
    سيارة ابو ايادَ سوبارو سوداء
    نفيه شَالوم وما ان بثت رسالتها واغلقت الجهاز
    حتي لمحت طائرتي ميراج تطلقان صواريخ السيدَ وندر
    والقنابل زنة الالف رطل
    وراتهما ترتفعان الي عنان السماءَ ثُم عادتا للانقضاض مِن جديدَ وهَذه المَرة بفَتح خزانات النابالم الحارقة
    كل ذلِك وهي ما تزال بالكهف ترقب تناثر الاجسادَ البشرية كالشظايا فِي الهواء
    فيصدر عنها فحيحا رهيبا كحية شَوهاء
    وتضحك فِي هستيريا مجنونة مشبعة بالحسرة والشماتة
    حسرة انعتاق ابو ايادَ ورفاقه
    وشماتة الهزيمة لبضع جنودَ امتزجوا بالتراب والدم والسلاح
    هكذا حملت امينة جهاز اللاسلكي بحقيبتها فِي تجوالها بالجنوب اللبناني
    طوال معركة اكتوبر 1973
    متنقلة بَين المستشفيات الميدانية والمواقع العسكرية

    تسعف الجرحي مِن المصابين بداءَ وشاياتها

    وتستمدَ مِن الحقدَ جراتها وقوتها
    وكَانت بذلِك أول جاسوس للموسادَ يعمل بجرآة اسطورية دَاخِل بلدَ عربي
    لم يفعلها ايلي كوهين الَّذِي زرع فِي سوريا قَبلها بسنوات قلِيلة
    وكان مرشحا لمنصب نائب رئيس الجمهورية السورية
    برغم تجواله بَين شَتي الوحدات العسكرية والقواعدَ السرية فِي الجولان
    واقامته المطولة بمنطقة الجبهة
    بل أنه برغم حجْم الثقة فِي نفْسه
    لم يحمل ابدا جهاز اللاسلكي خارِج المنزل
    كان فَقط يبث رسائله بشَكل يومي الي الموساد
    لم يفعلها أيضا المقدم فاروق ابراهيم الفقي
    الضابط المخابراتي العسكري المصري الَّذِي جندته هبة سليم
    وتسَبب فِي تدمير كُل قاعدة عسكرية جديدة كَان يتِم بناؤها بمنطقة القناة
    اذا كَان يحتفظ بجهاز اللاسلكي بمنزله
    ويبث للموسادَ اولا باول عَن مواقع الصوراريخ والرادارات
    والمطارات
    لم تفعلها انشراح الَّتِي انقذها السادات مِن الاعدام ايام كامب دَايفيد
    وكَانت تجوب منطقة القنآة مَع زوجها واولادها كُل يوم بحثا عَن الجديد
    كَانت امينة المفتي اجراهم جميعا قلبا واعصابا
    مدفوعة برغبة مجنونة فِي الانتقام والثار
    لا برغبة المغامرة
    تقول امينة فِي مذكراتها الَّتِي بلغت صفحاتها ستمائة صفحة: منذُ حملت معي جهاز اللاسلكي لاول مَرة الي الجنوب
    وشاهدت بنفسي هجوم الميراج الاسرائيلي علي الموقع الفلسطيني
    بغرض تدميره وتصفية ابو ايادَ واعوانه
    وقدَ تملكني احساس رائع بعملي

    احساس بالزهو وجدت فيه لذة كبري تفوق كُل لذة
    ومنذُ تلك الحادثة فِي 11 اكتوبر 1973
    وانا احمل الجهاز الصغير بحقيبتي
    بجواره المصحف ذي الجراب والشفرة
    كنت اكتب رسالَّتِي اولا علي ورقة منزوعة مِن بلوك نوت
    ثم اقف بسيارتي فِي مكان اطمئن فيه مِن العابرين
    واسحب هوائي الجهاز واقوم بالبث لدقائق
    احيانا كثِيرة كنت ابث الرسالة الواحدة مرتين للتاكيد
    واحرق الورقة واعاودَ القيادة الي مكان اخر
    وبفضل تصريح المرور الموثق
    الذي وقعه عرفات شَخصيا
    كنت اجوب بامان شَتي المواقع العسكرية الفلسطينية فِي الجنوب
    واطلع بنفسي علي انواع الاسلحة وكميات الذخائر بالمخازن
    ومعسكرات التدريب السرية
    لقدَ حالفني الحظ كثِيرا عندما وثق بي القادة الفلسطينيون
    لانني كنت ابدو متحمسة جداً لقضيتهم
    وحقهم فِي الكفاح لاستردادَ الارض المغتصبة
    للدرجة الَّتِي دَعت ابو ايادَ لان يطلب مني القاءَ خطبة حماسية فِي الجنودَ المعسكرين بالقرب مِن مخيم البرج الشمالي فِي الجنوب مِن صور
    يومئذ

    القيت خطبة رائعة

    تتدفق مِنها الوطنية ومعاني العروبة
    لقدَ اجدت تماما عندما صعدت مِن انفعالي فبكيت

    بكيت وانا اصف مشاهدَ القتل والقصف والانكساب علي وجوه الاطفال اليتامى
    بكيت حقيقة وانا احثهم علي الانتقام والثار والكفاح

    وما كنت ابكي الا لفقدَ موشيه الحبيب

    وبرودة الحيآة مِن حولي بِدونه
    والثورة المصطحبة بالغضب فِي اوردتي وشراييني

    ونبضي

    ضدَ هؤلاءَ الاوغادَ الَّذِين اذلوني

    واترعوني كئوس الوحدة

    والصمت

    والعدَم
    كان انفعالي مثاليا
    ظن الجنودَ والقادة أنه ايمان مني بقضيتهم

    فبكوا

    وعندما بحثت عَن منديل بحقيبتي اصطدمت يدي بجهاز اللاسلكي المغلق

    !!)
    قانون العنف/ انتهت حرب اكتوبر 1973 بوقف اطلاق النار
    اثر مفاوضات شَرسة ورحلات مكوكية قام بها هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي
    وانعقدَ مؤتمر القمة العربي فِي الجزائر
    وتم التوصل الي صيغة رسمية تقدم بها السادات كَانت مفاجئة للجميع
    وهي ان منظمة التحرير الفلسطينية هِي الممثل الشرعي والوحيدَ للشعب الفلسطيني
    وموافقة مصر وسوريا دَولتا المواجهة علي قرار مجلس الامن رقم 328 الَّذِي ينص علي عودة السلام الدائم والعادل فِي الشرق الاوسط
    ولم يرتح الجناح العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية لذلِك علي الاطلاق
    واقرت المنظمة مواصلة الكفاح المسلح بناءَ علي رغبة "الثورة الفلسطينية"
    وفي 25 نوفمبر بدا أول عمل فدائي فلسطيني
    حيثُ تم اختطاف طائرة جامبو نفاثة تابعة للخطوط الجوية الهولندية KLM
    كَانت فِي طريقها مِن بيروت الي طوكيو مرورا بنيودلهي
    تحمل علي متنها 244 راكبا وثلاثة مِن الفدائيين الفلسطينيين الَّذِين طالبوا باطلاق سراح سبعة مِن زملائهم فِي قبرص
    والا تمنح هولندا تراخيص مرور لليهودَ السوفييت الَّذِين فِي طريقهم لاسرائيل
    ووعدت الشركة KLM بالا تنقل سلاحا لاسرائيل وانتصر الفدائيون انتصارا مذهلا
    وتكررت عملية اختطاف طائرة اخري لنفس الشركة بَعدها بايام
    وفي 17 دَيسمبر 1973 فِي مطار روما اطلق عدَدَ مِن الفدائيين نيران مدافعهم الكلاشينكوف بصورة جنونية دَاخِل صالة المطار المزدحمة
    ويختطفون طائرة 707 تابعة لشركة بان امريكان كَانت راسية علي الممر
    وفجروا قنابلهم الفوسفورية بالطائرة فاحترق عدَدَ كبير مِن الركاب
    ثم جري الفدائيون ومعهم بَعض الرهائن واختطفوا احدي طائرات شَركة لوفتهانزا بوينج 737 والَّتِي كَانت علي وشك الاقلاع
    وحطت بهم فِي اثينا

    وكَانت مطالبهم الافراج عَن زملاءَ لَهُم مِن منظمة ايلول الاسود
    ومع بدايات العام الجديدَ 1974 شَكلت عدة منظمات فلسطينية ما يسمي بجبهة الرفض
    وكان المتحدث الرسمي باسم الجبهة هُو الدكتور جورج حبشَ زعيم الجبهة الشعبية
    وبطل عمليات خطف الطائرات الاسرائيلية الاول
    كَانت الضغوط شَديدة جداً علي امينة المفتي خِلال تلك الفترة
    فالعمليات الفدائية الفلسطينية اربكت اسرائيل وزعزعت امِنها تماما
    بل واصيبت بالعدوان غالبية دَول اوروبا المساندة لاسرائيل
    فالفلسطينيون ارادوا الاعلان عَن وجودهم بشتي الطرق
    بما فيها العنف مِن خطف وتفجير
    فالعدو لَم يكن يملك سلاحا ابدا سوي العنف
    واذا كَانت اسرائيل اعتمدت العنف قانونا لها
    فالفلسطينيون أيضا راوا الحل فِي ذَات السلاح

    دون غَيره

    وكان لتسارع الاحداث والعمليات الفلسطينية
    الاثر البالغ فِي انتشار سحب الخوف السوداءَ فَوق رؤوس الاسرائيليين
    وفقدت الموسادَ بذلِك خاصية مُهمة طالما التصقت بها
    وهي أنها حامية الدولة
    وسخر الجميع مِن هيبة الموسادَ الَّتِي سقطت
    ومن الدكتور "ابريشَ فولات" صاحب كتاب "ذراع اسرائيل الطويلة" الَّذِي قال: "ان الموسادَ اسطورة مِن الاساطير الخفية
    أنها تجعل العدو يرتجف

    وتمنح الاسرائيليين القدرة علي النوم فِي هدوء"
    "لقدَ انعكْس الوضع الان

    واصبح الشعب الاسرائيلي كله يرتجف عِندَ سماع ازيز طائرة
    او عِندَ فرقعة اطار سيارة
    او انفجار عادم دَراجة بخارية مسرعة"
    وانتقل الضغط العصبي الي امينة المفتي فِي بيروت

    فالاوامر كثِيرة والمطلوب مِنها كثِير ويفوق الوصف
    لذلِك اضطرت للانتقال تماما الي الجنوب اللبناني
    واستاجرت شَقة بمنطقة الشجرة فِي صور علي مسافة عشرين كيلو مترا مِن الحدودَ الاسرائيلية اتخذت مِنها مركز انطلاق لاستكشاف تحركات الفلسطينيين
    واتصلت بابو ناصر الضابط الفلسطيني الَّذِي سبق ان حذرتها الموسادَ مِنه فِي اولي رسائل البث اللاسلكية
    لقدَ استخدمت معه اسلوب "الاثارة"
    وهو اسلوب يدفع المرء لان يخرج ما عنده دَون ان يطلب مِنه ذلك
    واستطاعت ان تدفعه دَفعا لان يفصح عَن عملية فدائية ستتم فِي اليَوم التالي دَاخِل الاراضي الاسرائيلية
    صرخت وهي متهللة بالفرح: كَيف

    انكم لشجعان حقا عندما تنقلون عملياتكم الي قلب الدولة اليهودية

    لكن

    في ذلِك خطر جسيم علي رجالكم
    اجابها مزهوا بان كُل شَيء معد
    وتم التخطيط لكُل احتمالات الطقس بدقة متناهية
    حاولت ان تعرف مكان الهجوم وكيفية التسلل
    لكن الضباط الفلسطيني الحذر لَم يتفوه بأكثر مِن ذلك
    ولم تلح هِي فربما يتشكك بها
    وبثت رسالتها فِي الليل الهادئ الي الموساد: ار
    كيو
    ار
    عملية فدائية ستنفذ غدا دَاخِل الاراضي الاسرائيلية
    التسلل بطريق البحر
    نفيه شَالوم)
    وفي اليَوم التالي 11 مِن ابريل 1974 اقتحمت وحدة مِن رجال الكوماندوز مدينة كريات شَمونة الاسرائيلية
    وفتحوا نيران مدافعهم بكثافة فقتلوا ثمانية عشر اسرائيليا واصابوا أكثر مِن 48 بجروح
    وصرح مسؤول فلسطيني: ان هَذه ما هِي الا بِداية حملة للقوي الثورية دَاخِل اسرائيل
    لاعاقة الحل السلمي العربي
    كَانت مفاجآة مؤلمة لامينة وللموسادَ معا
    فالعملية الفدائية كَانت ضربة شَديدة فِي راس اسرائيل
    وتخوفت العميلة مِن ابو ناصر الخبيث الَّذِي ضللها

    فاتصلت بِه لتهنئه بنجاح العملية
    وتلح عَليه فِي الاكثار مِن مِثلها
    فطمأنها بان هُناك عمليات قادمة ستَكون اكبر

    واشرس
    وظلت تطارده مستخدمة اسلوبها فِي الاثارة الي ان نجحت فِي دَعوته لقضاءَ سهرة ببيتها
    وهيات لَه نفْسها وانواعا عديدة مِن الخمر
    حتي إذا ما تمكن السكر مِنه انطلق لسانه متباهيا بعبقريته العسكرية

    وكيف أنه جهز فريقا مِن اكفا رجال الكوماندوز
    للتسلل الي دَاخِل الحدودَ الاسرائيلية
    لضرب مدينة نهاريا الساحلية بالصواريخ
    التقطت امينة الخبر دَون تعليق
    وكل ما فكرت فيه لحظتئذ هُو كَيف تَحْتويه أكثر وأكثر فيزدادَ انطلاقا

    وجوعا

    فتتبعثر مِنه الاسرار وتندفع بعنف كالشلال
    وما كَان بيدها الا ان تمثل دَور العشيقة القلقة
    واستحضار نبرة الدفء المصطنعة والمشوبة بالخوف
    لكنه

    وهو الغارق حتّى نهايته فِي بحور اللذة

    لم تنفك عقدَ انطلاقه كلها فيعلن عَن خباياه

    او عملياته المرتقبة بالتفصيل
    فكان حديثه المتقطع غامضا.
    مبهما.
    يفتقر الي معلومة واحدة مؤكدة
    هكذا تعلم ابو ناصر وتدرب فِي المخابرات العسكرية

    واجادَ الاحتماءَ بالحس الامني العالي حتّى فِي اقصي حالات ضعفه الانساني
    واستشاطت العميلة غضبا

    فالخبر هكذا يبدو ناقصا جداً ومبتورا وهي لَم تعتدَ علي ذلك
    فقدَ اعتادت جلب المعلومات والاسرار مِن مصادرها بدقة
    لكنها صادفت رجلا محصنا

    منيعا

    يبخل بالكلام والكشف عَن عمله
    لذلِك

    ما ان غط فِي نوم عميق حتّى قامت الي حيثُ ملابسه فِي حذر بالغ

    وفتشت جيوبه حريصة علي ترتيب محتوياتها
    فمثل هَذا الرجل الدقيق فِي عمله
    يَكون دَقيقا أيضا فِي ترتيب مكتبه وملفاته

    وما بداخِل جيوبه
    وبينما تقلب اوراق محفظته الجلدية
    استوقفتها وريقة كتب بها عدة كلمات مرعبة
    اخرجتها عَن حرصها فصدرت عنها صرخة سرعان ما حبستها بحلقومها

    وارتعشت يدها غصبا عنها وهي تكتب ما قراته بورقة اخري دَستها بمخبا سري دَاخِل حذائها
    وتمددت الي جوار النائم المكدودَ

    ترددَ كلمات الوريقة فِي اعماقها: "تل ابيب مِن 9 الي 25 مايو / 500 كيلو TNT / شََ بلفور
    شَ كيديم / شََ ارليخ واكليتوس / ثُم اليركون ورعنان / عدَدَ "5" فرق 17 فولكس سوبار وشفر / يافا"
    اليَوم المرير/ وفي مبني الموسادَ

    كَانت الوجوه مرهقة

    خائفة

    متوترة
    فالعمليات الفدائية اشتدت وطاتها

    والمعومات المتاحة بعيدة عَن التفاصيل
    ومنذُ صدرت الاوامر لامينة باستدراج ابو ناصر بحرص
    كَانت رسائلها تجيء مشوهة

    بخيلة
    كإنما يتعمدَ الضابط الفلسطيني ذلك
    وهو ما يَعني ان العميلة وقعت تَحْت بؤرة الشك

    او أنها انكشفت فعلا
    فخبر التسلل الاخير عَبر البحر كَان حقيقيا مِن حيثُ التوقيت

    لا المكان
    اما خبر عملية تل ابيب

    فكان أكثر شَكا

    وغموضا

    ورعبا
    بل هُو الرعب نفْسه

    والدمار كله لاسرائيل
    هكذا يمر الوقت ثمينا

    يحمل بَين دَقاته انفجارات الموت البطيء
    ورجال الموسادَ يقلبون الامر فِي ارتباك
    ويخضعونه للتحليل الدقيق
    لكنهم عجزوا عَن الوقوف علي اجابات مقنعة

    وحاصرتهم تساؤلات محيرة ازادتهم ارهاقا

    وجنونا

    وامعانا فِي مزيدَ مِن الحرص

    صدرت الاوامر لامينة بمغادرة صور الي بيروت فورا
    والتوقف نهائيا عَن جلب المعلومات أو بث الرسائل
    لكن العميلة الغاضبة العنيدة

    بثت رسالة اليهم قلبت الموازين كلها

    واذهبت بعقول الكبار قَبل الصغار فِي الموساد
    اذ زفت اليهم امينة خبرا عَن تسلل سبعة فدائيين فِي غبشَ الفجر
    يحملون اسلحة ال ار.بي.جيه
    ومدافع الكلاشينكوف القاذفة
    والقنابل الهنغارية
    وكميات مِن عجائن المتفجرات
    بقصدَ تفجير مستعمَرة جيشر هازيف علي بَعدَ ستة كيلومترات شَمالي نهاريا بمناسبة عيدَ اسرائيل القومي
    فانطلقت قوات الامن تطوق المستعمرة
    وانتشرت نقاط التفتيشَ بِكُل الطرق
    ومع اولي تباشير الخامس عشر مِن مايو 1974
    كَانت المعركة الشرسة قَدَ بدات
    ولكن بمنطقة اخري ابعدَ عَن تصورهم

    وتوقعهم
    وكَانت العملية هَذه المَرة فِي قرية معالوت
    حيثُ حاصر الفدائيون السبعة القرية
    وامطروها بوابل مِن قذائفهم الصاروخية
    وسيطروا تماما علي سكأنها والطرق المؤدية اليها
    كَما دَمروا عدة سيارات عسكرية حاولت الالتفاف لعزلهم عَن القرية
    وبعدَ ستة ساعات ونصف اسفرت المعركة عَن اصابة 117 اسرائيليا بينهم 25 قتيلا

    ووقفت جولدا مائير أمام كاميرات التليفزيون فِي الكنيست وهي تكفكف دَموعها وتقول: "اليَوم

    عيدَ ميلادَ دَولتنا الخامس والعشرين

    وقدَ احاله الارهابيون الي يوم مرير بالنسبة لاسرائيل"
    لم تنصت امينة المفتي لاوامر رؤسائها فِي الموسادَ بالتوقف مؤقتا عَن العمل
    فما كَان ذلِك الا لاجل حمايتها
    لكنها كَانت ككتلة الثلج الَّتِي ذاب ما حولها
    فهوت مندفعة لا يجرؤ انسان علي ايقافها

    او التصدي لها
    كَانت تحمل روحها علي كفها
    ولا تهتم بالخطر أو تحسب لَه حسابا
    وفي لحظة

    استجمعت جراتها فِي عنف

    وطلبت مِن مارون الحايك ان يزورها بشقتها فِي بيروت
    فاسرع اليها يمني نفْسه بوليمة فسق مثيرة
    لكنه ما ان دَلف الي الصالون
    حتي وقف مذهولا

    وقدَ تجمدت الدماءَ فِي عروقه

    وتعلقت عيناه الجاحظتان بنجمة دَاوودَ الزرقاءَ علي الحائط
    [ COLOR="red"]الشركاءَ [/color] اجلس ايها الابله

    (!! قالتها امينة فِي لهجة حاسمة
    مرعبة
    أنت
    .؟! نعم

    اسرائيلية
    تلفت الرجل الهلع حواليه وهو يرتعد: ماذَا تُريدين مني

    بدانا المشوار معا

    ولا بدَ ان نكمله معا حتّى النهاية
    مشوار

    معا

    أنا لَم ابدا

    انا لا اعرف

    انا

    انا

    لا تكُن مراوغا أنها النتن
    فانت تعلم جيدا انك تعمل معي لصالح الموساد
    وحياتك وحيآة اسرتك رهن اشارة واحدة مني
    يا يسوع

    انقذني

    خلصني

    وبينما جسده ينتفض كالطير المذبوح

    كَانت تنثر أمامه عشرات الصور الَّتِي تجمعهما معا فِي اوضاع فاضحة
    وتفَتح جهاز التسجيل ليجيء صوته وهو يدلي بارقام التليفونات السرية للقادة الفلسطينيين
    فاقشعر بدنه وتصبب عرقا

    وقال خاضعا فِي صوت يسيل مِنه الرعب: وماذَا بيدي يا سيدتي

    الموسادَ تُريدَ منك تعاونا أكثر
    كَيف
    . ساعرفك
    ان لا افهم بالسياسة
    ولكنك تحب الخمر والجنس والمال
    أنا غبي

    تعس
    ستدفع لك الموسادَ مائتين وخمسين ليرة كُل شَهر
    ارجوك سيدتي

    الموسادَ
    . كلب مِثلك يَجب ان يَكون وفيا لاسياده
    انفَتح علي حين فجآة باب احدي الغرف

    فالتفت مارون وهو يرتعدَ

    وصدر عنه صرخة تفيض هلعا عندما راي ثلاثة رجال ذوي نظارات سوداءَ ووجوه جامدة

    كانوا وقفوا متجاورين وايديهم الي الخلف كالتماثيل
    مرت ثوان كالدهر لَم ينطق احدهم بِكُلمة

    بينما مارون يتمتم بما يشبه البكاء
    ماذَا تقول يا مارون
    . قالت امينة بلهجة كالامر
    ماذَا تُريدون مني اتكره اسرائيل أنا لا اكره احدا

    لا

    لا

    بل اكره عرفات

    نعم

    اكره عرفات ورئيسي فِي العمل

    ماذَا تُريدون اولا

    وقع هُنا

    انه اقرار بالصداقة والتعاون
    تناول مارون الورقة وارادَ قراءتها

    لكنها صرخت فيه بعنف
    وقدَ انتهزت فرصة وقوعه تَحْت السيطرة والشلل العقلي الفجائي الَّذِي اصابه
    صفعته بشدة علي وجهه والشرر يتطاير مِن عينيها
    فتملكه الفزع وقفز واقفا يتحسس وجهه
    فاطبقت علي كُل ما بقي لديه مِن ادراك وهي تهدده بان فريقا مِن الموسادَ يحاصر بنته

    ورصاص الفلسطينيين يتهددَ صدره
    وبحسم صرخت فيه ان يوقع

    فوقع علي الورقة والقلم يرتعشَ كالبندول بَين اصابعه
    واردفت: اريدَ زيارة الغرفة السرية بالسنترال المركزي الَّتِي حدثتني عنها
    وسوفَ اقوم بالتناوب أنا وانت بتسجيل المكالمات بَين القيادات الفلسطينية
    .! تسجيل
    . نعم

    الم تسمع ايها الغبي عَن العمليات الفدائية دَاخِل اسرائيل

    أنا لا اقرا فِي السياسة

    ولن تقرا علي قبرك: "طوبي للذي تختاره يا رب"
    بامكاني التنصت اثناءَ نوبات عملي ولكن

    ستتعلم جيدا كَيف تسجل المكالمات أنت ومانويل عساف
    مانويل
    . الا تكفي مائة ليرة مائة ليرة

    هُو يبيع امراته بليرة






    هَذه مُهمتك أنت

    ولا دَخل لِي بها
    كان المسكين كالفار المذعور الَّذِي وقع فِي المصيدة
    سنوات طويلة مِن حياته مرت بِه وهو يستمرئ المغامَرة ويستلذ اصطيادَ الفرائس
    ولم يتوقع يوما ان تجيء لحظة ينقلب فيها حاله
    ويصبح هُو الفريسة المرتجفة
    بين يدي امرآة كَانت الي عهدَ قريب ناعمة

    مثيرة

    رقيقة

    انقلبت فجآة الي وحشَ مسعور
    تنبعث رائحة الموت فِي لفتاتها

    ويسمع لَه وقع فِي صوتها الشيطاني الرهيب
    الغضب الهادر/ اسفرت عملية تجنيدَ مارون الحايك عَن فائدة عظيمة لاسرائيل

    اذ ان التجسس المستمر علي مكالمات القادة وزعماءَ الجبهات الفلسطينية
    كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية
    وخططهم الفدائية للضرب دَاخِل الاراضي المحتلة
    ولم تكُن الاحاديث التليفونية المتداولة مِن خِلال التليفونات السرية احاديثا مكشوفة تماما
    يستطيع المتنتصت عَليها ادراك مضامينها بسهولة
    إنما اعتمدت علي اسلوب التمويه والشفرة الكلامية الَّتِي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها
    وثقة فِي اللبنانيين
    كان زعماءَ الجبهات احيانا كثِيرة ينسون انفسهم ويتحدثون علانية فيما بينهم صراحة
    او مَع مساعديهم ظنا مِنهم وهَذا خطا كبير ان التجسس علي محادثاتهم امر مستحيل
    فالدوائر التليفونية المغلقة كَانت محددة بِكُل منظمة
    والاتصال بالمنظمات الاخري فِي بيروت نفْسها يتِم بواسطة خطوط شَبكة المدينة
    وكذا الاتصال بخارِج المدينة
    وكَانت السرية خاضعة للخدشَ عَن طريق زرع اجهزة التنصت

    او استراق السمع باسلوب مارون الحايك
    من خِلال الغرفة السرية الَّتِي اقامتها الميليشيا المسيحية فِي لبنان للتجسس علي المسلمين

    وعلي الفلسطينيين أيضا الَّذِين اتخذوا مِن حي الفكهاني مقرا لهم
    فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسَط بيروت وجنوبها
    فبالحي الَّذِي يقع بالقرب مِن مخيمي صبرا وشاتيلا
    اعدت منظمة التحرير مكاتبها بطريقَة عشوائية حَول مبني جامعة الدول العربية
    واقام قادتها فِي مبان مجهولة تَحْت حراسات مشددة
    فالمنظمة الَّتِي اسسها عرفات خريج هندسة القاهرة 1956 أكثر مِن مجردَ مقاومة شَعبية

    بل جيشَ مسلح مدرب
    يتربص باسرائيل لضربها فِي الاعماق
    كَانت امينة المفتي تدرك ذلِك جيدا

    وتري بنفسها الرقابة القوية الصارمة الَّتِي تفرضها كبري المنظمات الفلسطينية فَتح علي منشاتها فِي حي الفكهاني

    والحراسة المكثفة الَّتِي حَول مقر عرفات كلما ذهبت لمقابلته
    وعندما اتصل بها مارون الحايك قَبل الفجر بقليل
    فتحت علي الفور جهاز اللاسلكي صباح يوم 23 مايو 1974
    وبثت الي الموسادَ رسالتها الخطيرة: ار
    كيو
    ار
    بعدَ 37 دَقيقة مِن الآن سيهاجم ثمانية مِن الفدائيين المتسللين مستعمَرة زرعيت

    تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم/ م.د
    نفيه شَالوم وبالفعل

    صدقت المعلومة تماما

    واطبق الاسرائيليون علي الفدائيين الثمانية
    فقتلوا ستة مِنهم واسروا اثنين
    وعندما كَانت امينة المفتي تتجسس بنفسها علي مكالمات القادة الفلسطينيين
    اقتحمت الخط السري الخاص بمكتب جورج حبشَ 1)
    لاحظت بَعدَ عدة مكالمات له
    ان هُناك ترتيبات عسكرية يتِم اعدادها بشَكل سري
    حتي انفجر الحوار ساخنا جداً بينه وبين أحدَ مساعديه فِي صيدا
    حيثُ بدا جورج حبشَ منفعلا اشدَ الانفعال
    وهو يامر مساعده باتمام العملية يوم 13 يونيو
    وفي غمَرة انفعاله نطق اسم كيبوتز شَامير 2 سهوا
    لم تهمل عميلة الموسادَ الامر
    وابلغت رؤسائها علي الفور بما سمعته
    وبعدَ ثلاثة ايام كَان هُناك خمسة مِن الفدائيين القتلي علي مشارف قرية كيبوتز شَامير
    بوغتوا قَبلما يستعملوا رشاشاتهم الالية
    وفي 27 يونيو 1974 لقي ثلاثة فدائيين اخرين مصرعهم
    بعدما قتلوا اربعة مِن الجنودَ الاسرائيليين فِي نهاريا
    لقدَ كَانت الطائرات الاسرائيلية تردَ بوحشية اثر كُل عملية فدائية
    فتدك المواقع الفلسطينية فِي الجنوب
    من معسكرات ومخيمات ومحطات تموين ومراقبة
    وتضرب كُل ما هُو فلسطيني علي ارض لبنان
    وكَانت المعلومات الَّتِي امدت بها امينة الموساد
    تلك الَّتِي تكشفتها مِن خِلال غرفة السنترال السرية
    هي بلا شَك معلومات حيوية للغاية
    لا تَحْتمل التاويل أو الشك

    تجيء عَبر احاديث صاعنعي القرار انفسهم

    من اعلي مستويات القيادة الفلسطينية
    أنها سلسلة طويلة مِن التبليغات الَّتِي اودت بحيآة العشرات مِن الشباب الفدائي المكافح اشعرت امينة باهمية دَورها

    وقوة مركزها
    دون احساس ولو ضئيل بالندم

    بل ازديادَ مستمر فِي حدة الغضب

    لضراوة الثار لفقدَ زوجها الحبيب موشيه
    الاصدقاءَ الجدد/ كَانت الحكومة الاسرائيلية مصممة علي تدمير البنية العسكرية الفلسطينية فِي جنوب لبنان
    وكَانت جهودها لمتابعة مصالحها فِي لبنان تشمل دَبلوماسية سرية
    فقدَ حدث اتصال وثيق بَين الموسادَ وميليشيات لبنان المسيحية الكتائب منذُ ذلِك العام 1974 حين كَان الزعماءَ المسيحيون يخشون فقدان السيطرة الَّتِي يتمتعون بها
    عندما شََكل منافسوهم المسلمون اللبنانيون ائتلافا مَع الفلسطينيين الكثيرين فِي لبنان
    فزادوا بذلِك قوة

    ونفوذا
    وبداوا يطالبون بنصيب اكبر فِي الفطيرة السياسية
    لكن السياسيين المسيحيين رفضوا اية اصلاحات فِي نظام يناسبهم كثِيرا 1)
    من هنا

    تم اقناع زعيمي الميليشيا المسيحية
    كميل شَمعون وبيار الجميل
    بالدخول فِي اتصالات سرية مَع الدولة اليهودية
    وقدَ عقدَ شَمعون الَّذِي كَان رئيس جمهورية سابق
    والجميل وكان وزيرا محادثات سرية مطولة مَع اسحاق رابين رئيس وزراءَ اسرائيل
    بغية الحصول علي مساعدات عسكرية وتدريبية لميليشيات الكتائب
    للوقوف أمام قوة المسلمين والفلسطينيين
    ومنذُ منتصف ذلِك العام 1974 دَعمت الموسادَ الاتصالات مَع الكتائب علي اعتقادَ بأنها ستوفر مزايا هامة لاسرائيل
    اهمها اسكات المقاومة الفلسطينية فِي جنوب لبنان
    والتجسس علي الجيشَ السوري
    لذلك

    كَانت صفوف طويلة مِن عملاءَ الموسادَ تعمل فِي لبنان باطمئنان
    وبلا خوف مِن السلطات اللبنانية
    لكن الخوف كَان منبعه جهاز المخابرات الفلسطيني برئاسة علي حسن سلامة
    الذي استطاع بنفسه كشف أكثر مِن عشرين عميلا للموسادَ بَين صفوف المقاومة

    اعدمهم بنفسه
    واحاط كُل غريب بدوائر مِن الشكوك والريب
    وقدَ كَان مِن الطبيعي ان يصبح زعماءَ الميليشيا المسيحية فِي لبنان اصدقاءَ اسرائيل
    وذراعها القوية لضرب الفلسطينيين بَعدَ ذلِك

    وارتكاب ابشع المذابح بحق الشعب المقهور
    انتهزت امينة المفتي هَذا التقارب اللبناني / الاسرائيلي
    وسعت خَلف بشير الجميل ابن بيار الَّذِي كَان محاميا فِي بلدَ لا قانون فيها
    فجمعت عنه حصيلة هامة مِن المعلومات امدت بها الموساد
    وعرف عَن بشير أنه جريء

    وماكر

    واجرامي
    فرغم كونه اصغر ستة ابناءَ لبيار
    تقدم بسرعة

    ولم يبدَ أي ترددَ فِي قتل حلفائه المسيحيين افرادَ اسرتي شَمعون وفرنجية حتّى اصبح مسؤولا عَن اكبر ميليشيا مسيحية فِي لبنان
    راس الحية/ وفي الاول مِن اكتوبر 1974 عندما كَانت بغرفة المراقبة السرية بالسنترال
    صعقت وهي تستمع الي حوار ساخن بَين علي حسن سلامة واحدَ مساعديه
    وادركت أنها النِهاية المؤكدة للملك حسين
    بل ولمؤتمر القمة العربي فِي الرباط
    ولنقرا معا ما كتبته فِي مذكراتها عَن احداث ذلِك اليوم
    تقول امينة: كنت بالغرفة السرية مِنهمكة فِي عملي
    تمتدَ اسلاك جهاز التسجيل الي جواري
    وعلي كرسيه يقبع خَلفي مارون الحايك
    تلفح جسدي نيران نظراته برغم هواءَ الغرفة المكيف اللطيف
    كان الغرفة الواسعة ذَات بابين
    احدهما مغلق دَائما ولا يفَتح الا باذن خاص وهو يؤدي الي الممر الرئيسي
    اما الباب الاخر فسري ويشَكل جزءا مِن دَولاب حائط كبير
    ويتصل بسلم خَلفي صاعد
    كنت انصت الي حوار هادئ بَين عبدَ الوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية الَّتِي ترتبط بحزب البعث العراقي
    واحمدَ جبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية الَّتِي نفذت عملية فدائية ناجحة فِي اسرائيل منذُ فترة وجيزة
    واصابني الملل لتفاهة الحوار بينهما
    فالتفت الي مارون الَّذِي انتبه الي وسالته عمن يعرف سر هَذه الحجرة المثيرة
    فاجابني بانهم نفر قلِيل
    واجراءات دَخولها تخضع لتعقيدات وقيودَ كثِيرة
    وانه لولا الاربعين ليرة الَّتِي دَفعها للحارس الخاص للغرفة
    ما استطاعا الدخول ابدا
    كان مارون يحدثني بنبرة مليئة بالثقة بما يدل علي أنه قام بعمل بطولي لاجلي
    لذلِك ترك مقعده واقترب مني مبتسما
    فقبلته

    واحسست وهو يخاصرني بانه هدا كثِيرا مِن ناحيتي

    ويريدَ مني الكثير فنهرته بلطف
    واقتحمت خطوط عرفات وحواتمة وابو ايادَ فوجدتها مغلقة
    وحينما فكرت فِي ايقاف جهاز التسجيل طرآة ببالي فكرة التجسس علي تليفون سلامة
    لقدَ كَان الوقت قَبل منتصف الليل بقليل
    وسلامة يتحدث مَع أحدَ رفقائه ويدعي ابو نضال 1)
    ضغطت علي زر التسجيل واحكمت السماعتين فَوق اذني وانتبهت للحوار بينهما
    كان مارون ما يزال ملتصقا بي مِن الخلف يثيرني بقبلاته المجنونة حَول رقبتي
    عندما اقشعر بدني كله وبدا شَعر راسي كَانه يتصلب

    وينتصب
    وانا استمع الي سلامة يقول فِي ثورة التل 2 وحده لا يكفي
    علينا براس الحية صديق اليهود
    ومؤتمر الرباط فرصتنا الاكيدة فلنكن حذرين

    وشجعان
    الله معك يا ابو نضال)
    هُناك اذن تخطيط لاغتيال الملك حسين فِي الرباط

    وتبنت العملية منظمة ايلول الاسود
    وحين نزعت الاسلاك كَانت راسي تدور وتدور يدَ مارون المثار حَول مؤخرتي
    فسالته ان يؤمن الطريق لاخرج
    وفي شَقتي لَم اقو علي الانتظار لابدل ملابسي
    فارسلت علي الفور برسالَّتِي الخطيرة الي الموساد
    وبعدَ ست وثلاثين دَقيقة جاءتني رسالة تطلب مني اعادة البث
    فايقنت ان القلق ركب رؤوس القيادة فِي اسرائيل
    خوفا علي صديقهم العربي الاوحد

    الملك حسين

    ومرت ثلث الساعة الا دَقيقة واحدة
    وجاءتني رسالة اخري تحمل امرا هُو غاية فِي العجب

    والدهشة
    اذ امرت بالبحث عَن وسيلة لدخول شَقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله
    فحتي تلك اللحظة

    لم اكن اعلم ان لسلامة اولادَ

    وزوجة اخري تمت بصلة قرابي لمفتي فلسطين الحاج امين الحسيني
    وقلت فِي نفْسي: اترضي ملكة جمال الكون جورجينا رزق بدور الزوجة الثانية؟ يا لسلامة المحظوظ

    الهانئ

    السعيد

    ! شَبكة الاربعة/ لَم تكُن فكرة اغتيال الملك حسين ناشئة مِن فراغ
    فالفلسطينيون راوا مِنه أكثر مما تصوروا

    فمنذُ عام 1970 وهو مرتبط بعلاقات وثيقة بالاسرائيليين خوفا علي عرشه
    واجتمع بموشي دَيان لمرات عديدة فِي محادثات سرية
    في ذلِك الوقت كَان اللاجئون الفلسطينيون يشكلون نحن نصف سكان مملكته
    ويشكلون أيضا مصدر ازعاج متزايدَ له
    بقيامهم بعمليات فدائية دَاخِل الضفة الغربية انطلاقا مِن الاردن
    يردَ عَليها الاسرائيليون بالمثل
    ويضغطون علي الملك لوقف تلك العمليات
    بتوجيه ضربة للفلسطينيين تفتت قوتهم وقواتهم
    وقدَ كَان

    ومات عشرات الالاف مِن الابرياءَ فيما سمي بايلول الاسودَ عام 1970
    وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات
    والَّتِي يتراس عملياتها علي حسن سلامة الَّذِي نفذ اولي عملياتها باغتيال وصفي التل
    ثم توالت العمليات فِي عواصم اوروبا ضدَ الاسرائيليين
    وبعدَ حرب اكتوبر توصل العرب فِي الجزائر الي صيغة رسمية وهي ان منظمة التحرير الفلسطينية هِي الممثل الشرعي والوحيدَ للشعب الفلسطيني
    وشَكل هَذا الامر خلافا جوهريا مَع الملك حسين
    الذي كَان يدعي لنفسه هَذا الحق
    حتي جاءَ شَهر يوليو 1974
    ومعه خطوة هامة
    عندما اتفق الملك حسين والسادات علي صيغة اخري تحفظ ماءَ وجه الملك
    وهي ان منظمة التحرير الفلسطينية هِي الممثل الشرعي للفلسطينيين
    باستثناءَ الفلسطينيين الَّذِين يعيشون فِي المملكة الهاشمية
    فاثار البيان منظمة التحرير
    وفكر سلامة جديا فِي ضرورة التخلص مِن الملك حسين
    وحالف الحظ الملك
    عندما تمكنت السلطات المغربية مِن القاءَ القبض علي وحدتي كوماندوز فلسطينيتين
    وصلتا مِن اسبانيا لاغتياله
    وتم التعتيم علي الامر خاصة وقدَ حضر عرفات المؤتمر
    وحقق نجاحا كبيرا فِي الحصول علي اكبر دَعم عربي لشرعية منظمة التحرير
    وبموجب مقررات مؤتمر الرباط
    اصبحت المنظمة مسؤولة عَن وَضع الاستراتيجية الَّتِي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشروعه للفلسطينيين
    اي ان المنظمة مطالبة باتخاذ مواقف محددة وواضحة: هَل هِي تُريدَ تحرير فلسطين كلها ام جُزء مِنها تقام عَليه الدولة الفلسطينية

    وفي هَذه الحالة

    كيف تستطيع اعدادَ الوسائل الَّتِي تمكنها مِن الوصول الي هَذا الهدف؟
    وهل هِي تُريدَ الوصول اليها بجهدها الخاص أو بالتنسيق بَين استراتيجيتها والاستراتيجية العربية
    وعلي وجه التحديدَ بَين استراتيجيتها واستراتيجية مصر وسوريا اللتين تعملان تَحْت قيادة عسكرية موحدة باعتبارهما اقوي دَول المواجهة فِي المنظمة
    او هَل تُريدَ المنظمة العودة الي قرار التقسيم الصادر عَن الامم المتحدة عام 1948

    او تُريدَ اقامة دَولة فلسطينية فِي الضفة الغربية وقطاع غزة

    وفي هَذه الحالة

    هل هِي مستعدة للاعتراف بقرار مجلس الامن رقم 242 إذا ما عدلت الفقرة الَّتِي تتحدث عَن "اللاجئين الفلسطينيين" الي "الشعب الفلسطيني"

    وفي هَذه الحالة

    هل هِي مستعدة للذهاب الي مؤتمر جنيف

    واذا ما قررت الذهاب الي جنيف كَيف يُمكن حل مشكلة اعترافها بالوجودَ الاسرائيلي فِي فلسطين

    او باعتراف اسرائيل بها؟

    اي الاعترافين يَجب ان يسبق الاخر

    عشرات الاسئلة طولبت امينة المفتي بالتجسس علي اعضاءَ اللجنة التنفيذية العشرة لتكشف نواياهم
    والاعضاءَ هُم خليط لكافة التيارات الفلسطينية
    فهُناك التيارات اليمينية المتطرفة
    واليسارية والمحايدة
    والمتعصبة
    بعضهم شَيوعيون واخرون معارضون لَهُم وللماركسيين
    وهُناك دَيموقراطيون و

    و

    الخ
    كل هَذه التيارات المختلفة
    متفقة فيما بينها علي الاستراتيجية العامة
    فالهدف هُو تحرير فلسطين
    وان كَان هُناك اختلاف فِي التكتيك طلب مِنها أيضا معرفة المصادر المالية للمنظمة ومخازن السلاح فِي سوريا
    وراي القيادة العليا فِي مسالة القدس 1 لذلِك

    انشغلت امينة بشَكل لَم يسبق لَه مثيل

    وساعدها مارون ومانويل فِي نوبات التنصت علي تليفونات القيادات الفلسطينية
    بل أنها استطاعت تجنيدَ صديقتها خديجة زهران الَّتِي طلقت مِن زوجها اللبناني
    فتزوجت بغيره وطلقت مِنه ايضا
    وسقطت فِي شَبكة امينة المفتي فِي احلك لحظات ضعفها وحاجتها الي النسيان

    والمغامرة

    والثراء
    رباعي عجيب انطلق فِي مهام تجسسية صعبة
    لامدادَ الموسادَ باخطر المعلومات عَن الفلسطينيين الَّذِين كَانوا يستشعرون وجودَ مؤامرات لبنانية لتصفيتهم
    وقالوا للبنانيين: انكم لَن تستطيعوا تصفيتنا لانكم لا تملكون القوة الكافية لذلك
    ونحن لا نُريدَ منكم الا تمهيدَ الطريق لنا الي فلسطين
    والطريق الي فلسطين يمر بعينطورة وجونية
    وهما منطقتان لبنانيتان مسيحيتان
    احداهما فِي الجبل والثانية علي الساحل
    فتساءل اللبنانيون: ماذَا يفعل الفلسطينيون فِي الجبل وهو يبعدَ عَن طريق فلسطين بأكثر مِن مائة كيلو متر

    والحقيقة

    ان الطرفين كَانا علي حق
    وتلك كَانت مقدمة للحرب الاهلية اللبنانية
    الخطا المدمر/ وفي يوم 22 نوفمبر 1974
    دخل ياسر عرفات لاول مَرة مبني الامم المتحدة فِي نيويورك
    مطالبا بالغاءَ دَولة اسرائيل
    واقامة دَولة دَيموقراطية تتَكون مِن العقائدَ الدينية الثلاثة الاسلام والمسيحية واليهودية
    والا فليس أمامهم سوي الكفاح المسلح
    ويخرج وفدَ اسرائيل غاضبا ليصرح السفير الاسرائيلي بان عرفات الَّذِي قتل الاطفال اليهود
    يحاول ان يقهر الدولة اليهودية بحجة فلسطين الديموقراطية
    وبعدَ اسبوع مِن لقاءَ نيويورك
    بثت امينة المفتي رسالة خطيرة الي الموساد
    تتضمن هجوما فلسطينيا مسلحا سيتِم بَعدَ عدة ساعات علي احدي مدن الشمال
    وقبلما تتخذ السلطات الاسرائيلية التدابير الامنية الكافية كَان ثلاثة مِن فدائي الجبهة الديموقراطية قَدَ هاجموا مدينة بيت شَين BET SHEAN انطلاقا مِن الاراضي الاردنية علي غَير المتوقع
    وقتلوا اربعة اسرائيليين ثُم جزوا رؤوسهم تماما وكتبوا بدمائهم: "فليرحل ابناؤكم قَبلما يلقوا مصيرنا
    وبعدَ يومين تسلق اربعة فدائيين سور مطار دَبي الدولي
    وفتحوا نيران مدافعهم علي الطائرة البريطانية الَّتِي كَانت تتزودَ بالوقودَ فِي طريقها الي كلكتا وسنغافورة
    فاصابوا أحدَ الهنودَ واحتجزوا 47 شَخصا كرهائن وصاروا بهم الي تونس
    في ذَات الوقت الَّذِي اقر فيه السكرتير العام للامم المتحدة حق الفلسطينيين فِي تقرير مصيرهم والعودة الي وطنهم
    والموافقة علي اختيار منظمة التحرير مراقبا فِي الامم المتحدة
    وفي نِهاية شَهر يناير 1975 قال ابو ايادَ مساعدَ عرفات فِي تصريح لَه كالقنبلة: "انني اعدَ بان هَذه الحادثة العارضة ستَكون الاخيرة"
    وبهَذا التصريح
    لم يعدَ هُناك وجودَ لمنظمة ايلول الاسود
    اذ غطت الحرب الاهلية اللبنانية علي كُل شَيء
    واصبح مقاتلو ايلول الاسودَ يكرسون جهودهم لمهام اخرى
    وعندما طلبت امينة الاذن بمغادرة بيروت الي تل ابيب
    اعيدَ تذكيرها بايجادَ فرصة مناسبة لدخول شَقة علي حسن سلامة ومحاولة الحصول علي القوائم السرية لرجال مخابراته فِي اوروبا
    وخطط العمليات المستقبلية المطروحة
    وعلي ذلِك انتهزت امينة فرصة لقائها بسلامة فِي الكورال بيتشَ كالمعتاد
    وسالته فِي خطا فادح عَن اولاده
    فدهشَ الرجل الَّذِي لَم يحدثها عنهم مِن قَبل مطلقا
    وبحاسته الامنية العالية ملاه الشك تجاهها
    وقرر البحث عَن ماضيها وطلب مِن رجاله فِي عمان اعادة موافاته ببيانات عَن الطبيبة الاردنية امينة دَاودَ المفتي
    الَّتِي يعيشَ اهلها بحي صويلح ارقي واروع احياءَ عمان
    فجاءه الردَ بأنها بالفعل طبيبة اردنية
    غادرت وطنها الي النمسا للدراسة
    ولمشاحنات مَع اهلها قررت الا تعيشَ بعمان
    اطمان سلامة لتحريات رجاله

    وتجددت ثقته بامينة
    لكن بلاغا سريا مِن اوروبا وصل الي مكتب المخابرات
    قلب الامور كلها راسا علي عقب
    الرسالة الاخيرة افادَ البلاغ ان شَابا فلسطينيا فِي فرانكفورت
    صرح لاحدَ المصادر السرية بانه تقابل مَع أحدَ الفلسطينيين فِي فيينا
    وبعدَ عدة لقاءات بينهما فِي حانات المدينة ومقاهيها
    اخبره بان لَه صديقة نمساوية يهودية
    ماتت اثر تعاطيها جرعة زائدة مِن عقار مخدر
    تزوج شَقيقها الطيار مِن فتآة عربية مسلمة
    وهربت معه الي اسرائيل خوفا مِن اكتشاف امرها وملاحقة اجهزة المخابرات العربية لها
    وان الفتآة كَانت تدرس الطب فِي النمسا
    وانتقلت الي لبنان بَعدما اسقط السوريون طائرة زوجها
    الذي اعتبر مفقودا
    كان البلاغ يحمل نبرة عالية مِن الشك
    فلو ان الامر صحيح اذن فهُناك جاسوسة عربية بَين الفلسطينيين
    وطلب سلامة اعادة استجواب الشاب فِي فرانكفورت
    ولو اضطروا لاخذه الي النمسا ليدلهم علي الفلسطيني الاخر
    وذيل سلامة اوامَره بضرورة السرعة
    والي حين تصله معلومات اخرى
    طلب حصر كُل الطبيبات العربيات المتطوعات فِي المستشفيات الفلسطينية

    واللبنانية ايضا
    كان علي حسن سلامة شَابا ذكيا

    خارق الذكاء
    شاهدَ بنفسه مقتل والده بيدَ اليهودَ وهو فِي الخامسة عشرة مِن عمره
    ففرت بِه امه مِن الرملة الي نابلس فِي الاردن
    وعاشَ مِثل الاف الفلسطينيين فِي مخيم بائس يفتقر الي المياه والكهرباء
    وفي نابلس اكمل تعليمه وكان دَائما مِن المتفوقين
    لا يابه بمطاردات الفتيات لَه برغم وسامته وجسمه الرياضي
    فقدَ كَان لا يهتم الا بالسياسة فقط
    وبعدما حصل علي الثانوية العامة بتفوق
    حصل علي منحة للدراسة بالجامعة الاميركية فِي بيروت
    الَّتِي كَانت مجمتعا لكبار المثقفين الفلسطينيين
    واكتسب فِي الجامعة سمة الزعيم السياسي
    حيثُ جمع مِن حوله الطلبة والقي فيهم الخطب الثورية
    وكان تاثيره يتزايدَ بينهم بَعدما عرف لدي الجميع ان والده مات بَين الاسرائيليين
    وكان يقول دَائما "لقدَ نسونا واذا لَم نفعل شَيئا سنبقي دَائما فِي الطين والوحل

    اذلاء

    بلا وطن"
    وتخرج مِن الجامعة مهندسا ليلتقي بياسر عرفات الَّذِي كَان قَدَ اسس منظمة التحرير الفلسطينية
    وبعدَ هَذا اللقاءَ تبدلت حياته كلها
    اذ شَغل منصب قائدَ القوة 17
    ثم رئيس المخابرات الفلسطينية رصدَ ورئيس العمليات بمنظمة ايلول الاسودَ الَّتِي دَوخت اسرائيل بعملياتها الفدائية المذهلة
    استغل علي حسن سلامة ذكاءه الشديدَ فِي تعقب الخونة والجواسيس
    الذين يتِم زرعهم بَين صفوف المقاومة وتمكن مِن كشف عشرين مِنهم خِلال فترة وجيزة
    وحصل علي دَورات تدريبية علي ايدي رجال المخابرات المصرية
    اذ استهواه العمل الفدائي والكفاح
    وعشق مطاردة عملاءَ الموسادَ أينما كَانوا
    وافلت مرات ومرات مِن محاولات فاشلة لاغتياله
    حيثُ كَان يجيدَ التخفي

    ماكر كالثعلب

    جسور كالاسد

    صلب كالفولاذ
    وبعدما جاءه البلاغ عَن وجودَ طبيبة عربية متطوعة تعمل لصالح الموسادَ فِي بيروت
    اكنت أمامه بَعدَ ثلاثة ايام قائمة طويلة تضم اسماءَ 37 طبيبة

    اربعة مِنهن فَقط حصلن علي شَهاداتهن العلمية مِن جامعات النمسا
    وكن جميعا انسات

    احداهن بالطبع كَانت امينة دَاودَ المفتي
    وفي انتظار التقرير الحاسم الَّذِي سيجيء مِن اوروبا

    امر سلامة بوضع الاربعة تَحْت المراقبة الصارمة طوال الاربع والعشرين ساعة
    لقدَ كَان السباق محموما للوصل الي الحقيقة باسرع ما يُمكن

    وبينما الطقس مشحون بالشكوك والترقب
    احست امينة بعيني الجاسوسة المدربة
    بان هُناك عيونا ترصدها

    ولا تترك لَها مساحة مِن الحرية لتتحرك بيسر كَما اعتادت دَائما
    واول ما فكرت فيه هُو التخلص مِن جهاز اللاسلكي
    دليل الادانة الَّذِي سيقدمها الي حبل المشنقة
    فبثت رسالتها الاخيرة الي الموسادَ ار
    كيو
    ار
    هُناك مِن يراقبني ليل نهار منذُ الامس
    انا خائفة ومرتبكة
    ساموت رعبا
    افيدوني
    نفيه شَالوم)
    خبراءَ المخابرات دَائما يشفقون علي العميل الخائف
    خاصة ان كَان مزروعا ببلادَ الاعداء
    ويدركون جيدا حجْم المعانآة النفسية الرهيبة الَّتِي تغشي تفكيره
    وقدَ تقودَ مسلكه الي نقطة النِهاية والسقوط
    بسب وقوعه فِي حالة ضعف تدمر اعصابه
    وتعصف بجراته وبثباته
    وهم فِي تلك الحالات يفضلون ان يفر عميلهم بحياته وباي ثمن
    لذلِك ردوا علي امينة بَعدَ أقل مِن نصف الساعة: ضعي الجهاز بسلة قمامة الشقة العلوية
    احرقي الشفرة
    غادري بيروت بهدوء الي دَمشق بطريق البر
    ستجدين رسالة بمقهي "الشام".)
    تنفست امينة الصعداء
    وشرعت فورا فِي تنفيذ اوامر رؤسائها
    لقدَ كَان عَليها الا تلتقي باحدَ افرادَ شَبكتها

    لكن يَجب تحذيرهم مِن السعي اليها
    لذلِك اتصلت مِن الشارع بخديجة زهران واخبرتها أنها فِي طريقها الي دَمشق للسياحة
    القت بظلالها يعصف بها الخوف والهلع
    حملت امينة حقيبة يدها الصغيرة وغادرت شَقتها
    لتدور بَعدها فِي شَوارع بيروت اشرس عملية هروب ومطاردة بَين الجاسوسة الخائفة ومطارديها
    وفي موقف السيارات المتجهة الي دَمشق اعتقدت بأنها افلتت مِن المراقبة
    حتي إذا ما صعدت الي الباص واطمانت فِي مقعدها
    فوجئت برجلي امن يقفان الي جوارها
    فالجمها الخوف وانخرست

    واعتقدت بأنها النِهاية الحتمية لمشوار خيانتها
    فقررت بالا تموت علي ايدي الفلسطينيين
    وبلا وعي

    انطلقت اصابعها فِي لحظة كالبرق
    تبحث عَن كبسولة سم السبانيدَ بَين خصلات شَعرها
    لكن ايدي رجلا الامن كَانت الاسرع
    اذا انقضت عَليها كَما تنقض حية الكوبرا علي فريستها
    واقتيدت الي سيارة بيجو استيشن مفتوحة الابواب كَانت تنتظر خَلف الباص
    يقف الي جوارها رجلان اخران جامدي الملامح
    وقبلما تبلغ امينة البيجو فشلت ساقاها عَن حملها
    فاضطر الرجلان الي رفعها عَن الارض رفعا
    والقيا بها الي دَاخِل السيارة الَّتِي انطلقت كالريح الي حي الفكهاني
    تسبقها سيارة اودي 80 ال اس نقل اربعة رجال مدججين بالسلاح
    وامام أحدَ المباني بالقرب مِن المدينة الرياضية
    سحب الرجال العميلة المغمآة الي الداخل
    حيثُ اودعت فِي غرفة ضيقة تَحْت الارض
    تكبل يديها مِن الخلف سلسلة حديدية طويلة ربطت الي الحائط
    لم يكن لدي المخابرات الفلسطينية رصدَ حتّى وهم يراقبونها دَليل واحدَ ضدها
    فالتقرير لَم يصل بَعدَ مِن اوروبا ليؤكدَ براءتها مِن عدمه
    لكن حينما امسك رجال الامن بها كَانت ملامحها كلها تنطق بالخوف وتضج بالرعب
    ولانهم اعتادوا تلك الملامح الَّتِي ترسم عادة علي وجوه الخونة
    ايقنوا بان الامر جدَ خطير

    خطير جدا
    وان الطبيبة المتطوعة متورطة فِي جرم ثُم خاصة

    بعدما تعرضت المادة السائلة بالكبسولة للتحليل
    واتضح أنها سم السبانيدَ الَّذِي تكفي نقطة واحدة مِنه لقتل فيل بالغ
    لقدَ كَان لا بدَ مِن تركها هكذا لعدة ايام بِدون استجواب
    حتي تنهار ارادتها الي الحضيض مِن ناحية
    ولمحاولة امتلاك ادلة مادية مِن ناحية اخرى
    وعلي ذلِك

    قام فريق متخصص بتفتيشَ شَقتها تفتيشا غاية فِي الدقة

    ولعدة مرات فشل فِي العثور علي دَليل واحدَ يدينها
    فالعميلة المدربة

    وبرغم خوفها الشديد
    وجدت أمامها الفرصة الطويلة لازالة أي اثار أو ادلة قَدَ تقودها الي الموت
    ولم تترك خَلفها سوي المصحف الشريف وقدَ انتزعت مِن منتصفه عدة صفحات
    هي فِي مجملها كُل سورة "بني اسرائيل"
    وصفحة ونصف مِن سورة "الكهف" وكان هَذا الامر يمثل لغزا محيرا لرجال رصد
    الذين فشلوا فِي "رصد" العميلة دَون ان تلقي بظلالها عَليهم
    كان جهاز الامن والمخابرات رصدَ يعمل فِي تلك الفترة تَحْت قيادة ابو ايادَ "صلاح خَلف" الاب الروحي للمخابرات الفلسطينية ولمنظمة ايلول الاسود
    برئاسة علي حسن سلامة رئيس العمليات والدينامو المحرك والعبقري الفذ
    ويعدَ الجهاز أكثر العناصر المكونة سرية دَاخِل منظمة التحرير الفلسطيني
    فَهو جهاز الاستخبارات الاولية
    وعمليات مكافحة الجاسوسية
    وبه وحدة سرية لعمليات الخاصة
    وله مكاتب فِي كُل مِن لبنان ومصر والاردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسوريا
    ويصعب تقدير عدَدَ اعضائه علي وجه الدقة
    وابو ايادَ 1 هُو معلم الجواسيس الاول فِي منظمة التحرير الفلسطينية
    والمسؤول عَن امِنها وجهازها السري
    وهو أيضا حلقة الاتصال الرئيسية بينها وبين الجبهات المعارضة
    واحدَ العناصر الضالعة فِي تخطيط وتنفيذ عملية ميونيخ
    وكان هُو الَّذِي امر فِي 1973 بالاستيلاءَ علي السفارة السعودية فِي الخرطوم وقْتل السفير الاميركي ونائبه
    كَما لعب دَورا رئيسيا فِي حادث مقتل السفير الامريكي فرانسيس ميلوي فِي بيروت عام 1976
    وكذلِك فِي عشرات العمليات المسلحة الاخرى
    وما ان وَضع أمام ابو ايادَ تقرير كامل عَن امينة المفتي
    حتي ذم شَفتيه ملقيا براسه الي مسندَ كرسيه
    ينظر الي حلقات دَخان سجائره المتشابكة فِي صمت طويل

    وقال لسلامة فِي وجوم: يَجب الا نعاقب امرآة عربية دَون ادلة قطعية قوية تؤكدَ ادانتها
    فلننتظر تقرير رجالنا فِي اوروبا
    وحتي يصل التقرير فلا عقاب ولا استجواب
    هكذا قبعت امينة فِي زنزانتها المظلمة بباطن الارض تترقب الموت ببطء
    وتنسل مِن عروقها نبضات القوة رويدا رويدا
    حتي استحالت الدقائق عندها الي جحيم ما بَعده جحيم
    وانقلب الانتظار الي وحشَ مسعور يفتك بعقلها

    وبوجدانها
    وكانه العواء/ كَان رجال المخابرات الفلسطينية فِي اوروبا يلهثون خَلف الشاب الفلسطيني العابث
    يرفقهم الشاب الاخر صاحب البلاغ
    والذي استقدموه مِن فرانكفورت راسا الي فيينا
    فَهو الوحيدَ الَّذِي يُمكنه التعرف عَليه بسهولة
    هكذا جابوا شَوارع فيينا وحدائقها ومواخيرها دَون جدوى
    وكإنما انشقت الارض وابتلعته
    ولم يكن أمام الرجال الا طريقَة واحدة غاية فِي الخطورة لاستجلاءَ الحقيقة مِن مصادرها الرسمية
    وهي البحث عَن سجلات مكتب "الزواج مِن اجانب"
    وكان الخوف كُل الخوف مِن لفت انتباه رجال الموسادَ فِي النمسا الي ما ينقبون عنه
    لذلِك كَانت عملية البحث تتم تَحْت ستار كثيف مِن السرية

    والتكتم
    وبواسطة خطاب مزور صادر عَن السفارة الاردنية فِي فيينا
    يخاطب ادارة مكتب الزواج مِن اجانب
    امكن الوصول الي عنوان شَقتها والي حقيقة الزواج المحرم
    وفي الحال طار أحدَ الضباط الي بيروت يحمل صورة رسمية مِن عقدَ الزواج
    في ذَات الوقت الَّذِي اقتحم فيها رجال رصدَ شَقة امينة المفتي بفيينا
    حيثُ عثروا علي اجندة متوسطة الحجم
    سجلت بها امينة مذكراتها وتفاصيل عمليها فِي بيروت قَبل رحلتها التدريبية الاولي لاسرائيل
    هكذا انكشف الامر دَون ان يلاحظ رجال الموسادَ المنتشرون فِي النمسا أي شَيء
    او يخطر ببالهم ان رجالا يفوقونهم ذكاءَ ينقبون عَن ماض غامض لعميلتهم المدربة
    تجمعت كُل الادلة علي مكتب ابو ايادَ الداهية
    ولم يكن أمامه سوي محاصرة امينة والسيطرة عَليها
    لتكشف النقاب عما ابلغته للموساد
    ودورها الحقيقي فِي ترصدَ حركة المقاومة
    خاصة بَعدَ فشل عدة عمليات فدائية كَان وراءها جاسوس خفي
    وايضا

    لترشدَ عَن بقية اعضاءَ شَبكتها فِي بيروت أو خارِجها
    كَانت هُناك خطط عديدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتبعها رجال المخابرات الفلسطينية
    اما والحالة هُنا لامرآة عربية خائنة فالوضع يختلف
    أنها احدي الحالات النادرة الَّتِي تواجه ابو ايادَ ورجاله
    لذلك
    اقترح علي حسن سلامة الاعتمادَ علي خطة جديدة تناسب الحالة
    تَقوم علي ايهامها بان زوجها موشيه كَان اسيرا لدي السوريين
    وقدَ اطلق سراحه منذُ ايام ضمن فريق مِن الاسري فِي عملية مبادلة نشرت عنها الصحف
    وكان الغرض مِن كُل ذلِك اشعار الجاسوسة بعقدة الذنب
    لتحس بالندم الشديدَ علي ما ارتكبته فتعترف بلا اكراه أو تعذيب
    وعلي ذلِك


    سربوا اليها احدي الصحف اليومية وقدَ تصدرت صفحتها الاولي صورة زوجها الاسير وسَط العديدَ مِن زملائه
    قبلما يغادرون سوريا الي اسرائيل برفقة رجال الصليب الاحمر
    كَانت هُناك بالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة طبعت خصيصا لاجل المهمة المحددة
    وما ان قرات امينة الخبر
    حتي لفها صمت غمس بالذهول
    وقدَ جحظت عيناها لهول الصدمة والمفاجاة
    وانطلق مِن جوفها صوت نحيب رتيب كَانه العواء
    وليس هُناك ابلغ مما كتبته بنفسها عَن تلك اللحظة الخطيرة مِن حياتها: الحلقة السادسة الاشباح فِي الزنزانة تقول امينة فِي مذكراتها وفي السادس مِن سبتمبر عام 1975 !!!)
    كنت احاول ان الملم ذاتي المبعثرة دَاخِل زنزانة ضيقة حقيرة
    مقيدة بالجنازير الي الحائط
    عندما انفَتح الباب فِي الصباح
    ودخل الحارس المسلح ذُو الشارب الكثيف يحمل فطوري المكون مِن رغيف وشريحة جبن مطبوخ
    وجلس أمامي كالمعتادَ يتصفح جريدته
    ويناولني قضمة بَعدَ قضمة
    عندما لمحت الخبر بالصفحة الاولى: يا الهي

    انه موشيه

    نعم موشيه

    صورته تتصدر الصفحة ومن تَحْتها اسمه كاملا
    خيل الي انني احلم

    اطير الي الافق واكبو حلقومي يتشقق وراسي تتارجح غصبا عني
    وكانني افيق مِن غيبوبة الموت
    رجوت الحارس ان يقرا علي ما كتب فنهرني ساخرا

    لحظتئذ

    صرخت متوسلة اليه ان يقرا
    فاغلق فمي بالرغيف ولطمني بقسوة علي وجهي وهو يردد: مالك والصحيفة ايتها المومس الحقيرة

    لفظت الرغيف وابتهلت اليه فبسط الصفحة أمامي علي الارض

    فانحنيت اقرا لا اصدق
    حتي انكفات علي وجهه كالمنومة
    اعض البلاط

    والعق الحسرة

    والفرحة
    والعن عمرا ذاب فِي الارهاق والغضب
    لست ادري بالضبط كنه تلك الاحاسيس الجياشة الَّتِي اجتاحتني
    خليط عجيب مِن المشاعر تكادَ تعصف بي
    وتفتك براسي
    كم كنت فِي شَوق لان اصرخ

    واصرخ

    واصرخ

    وامزق وجهي باظافري حتّى يدمى
    لكن يداي مشدودتان بالسلاسل
    ولا قَبل لِي الا بالصراخ
    فصرخت

    صرخت مِن اعماق شَراييني وانسجتي
    وجذبت قوة صرخاتي مِن قلبي واعصابي
    اذ جثم علي صدري حمل ثقيل مِن الندم

    ينزف مِنهم الدم فِي فورة كالبركان
    وينزلق علي ارض الغرفة فاحس بِه ساخنا لزجا
    يا الهي

    أنها اشباح عشرات الضحايا الَّذِين قتلتهم بغبائي

    وقذارتي
    تطوف الاشباح مِن حولي فِي حلان مرعب
    ينبعث مِنها صوت هدير مخيف
    فاضحك

    ثم اصرخ

    واضرب راسي فِي الهواءَ لاصرف الاشباح عني
    وافيق علي موشيه الحبيب

    جاءَ لينقذني مِن عذاباتي

    وانحناءات عمري القاتلة)
    مدرسة ابو دَاودَ وفي الثامن مِن ستبمبر 1975
    بعدَ تسعة ايام مِن اعتقالها
    اقتيدت امينة دَاودَ المفتي الي مكتب ابو دَاودَ 1 حيثُ جري استجوابها بذَات الاسلوب الَّذِي استخدمه جهاز المخابرات الالماني الجستابو مَع الاسري والجواسيس ايام الحرب العالمية الثانية
    وهو اسلوب يعتمدَ علي التوسل بعلم النفس فِي كسر حدة الخوف لدي الجاسوس
    دون اللجوء الي أي وسيلة مِن وسائل الضغط أو التعذيب
    مع محاصرته بوابل مِن المعلومات الَّتِي تم جمعها عنه وعن رؤسائه
    فيضطر مذعنا الي الاعتراف بِكُل ما لديه حيثُ يري أنه لا ضرورة للانكار
    طالما انكشفت كُل الاسرار الَّتِي كَان يعتقدَ أنها مجهولة
    ولكي نشرح اسلوب ابو دَاوودَ فِي استجواب العميلة
    علينا ان نقرا الشهادة الرسمية الَّتِي اداها الملازم "سكراف" مِن المخابرات الالمانية
    امام هيئات التحقيق الاميركية بَعدَ انتهاءَ الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا
    فقدَ شَكلت فِي امريكا هيئة للتحقيق مَع بضع مئات مِن الطيارين الامريكيين الَّذِين اسروا فِي المانيا النازية
    وكانوا متهمين بالخيانة وافشاءَ الاسرار الحربية عقب اسرهم
    ولكنهم نفوا جميعا أنهم تفوهوا باي سر
    كَما اكدوا ان احدا لَم يضربهم أو يمتهنهم
    وبالتالي لَم يحاول أي انسان ان يرغمهم علي الادلاءَ باي اقوال
    وقدَ استدعي الامر احضار سكراف للمثول أمام احدي هيئات التحقيق الاميركية
    لاستجوابه فِي شَان التقارير الَّتِي كَان يرفعها بَعدَ استجوابه لكُل طيار اسير
    وقدَ كَان لشهادته هَذه اكبر الاثر فِي تبرئة ساحة هؤلاءَ الطيارين
    يقول سكراف: خِلال سني الحرب الطويلة المريرة
    قمت منتصبا فِي وَضع الانتباه ضاربا كعبي أكثر مِن خمسمائة مرة
    مؤديا التحية العسكرية فِي اصح اوضاعها لضابط طيار اميركي
    شاءَ حظه ان يقع اسيرا فِي ايدي قواتنا
    وكنت اقدم نفْسي للاسير قائلا فِي ادب وبشاشة: سيدي

    انا الملازم سكراف

    وانا مكلف بسؤالكُم بضع اسئلة
    هل لسيدي ان يجلس

    من واجبي ان اذكرك بحقوقك الَّتِي تكفلتها لك اتفاقية جنيف لمعاملة اسري الحرب
    فلك ان تجيب علي الاسئلة الثلاثة اسمك

    ورقمك

    ورتبتك فَقط ولا شَيء خلاف ذلِك

    سيجارة سيدي

    ويضيف الضابط الالماني: مر علي مكتبي جميع طياري المقاتلات الاميركية والبريطانية الاسرى
    وكالمعتادَ فقدَ اجابوا علي الاسئلة الثلاثة عِندَ بدء اسرهم
    ثم ارسلوا الي بَعدَ ذلِك للحصول مِنهم علي المعلومات اللازمة
    واستيطع ان اقرر ان كُل فردَ مِن الخمسمائة ضابط الَّذِين مروا بغرفتي
    قدَ ادلي بِكُل المعلومات الَّتِي طلب مني ان احصل عَليها مِنهم
    دون اهانة أو تعذيب
    ذلِك أنهم لقنوا عَن الطريقَة الَّتِي يتصرفون بها إذا ما وقعوا فِي الاسر
    واحتمال التعذيب الشديدَ حتّى يرغموا علي الكلام
    لكن
    .غاب عنهم الحالة النفسية الَّتِي يَكون عَليها الاسير بَعدَ اكتسابه لهَذه الصفة
    لمجردَ شَعور المرء بانه اسير تتولدَ عنده ضغوط شَديدة تشعره بَعدَم راحة الضمير كَانه المذنب
    حتي ولو كَان اسره خارِجا كلية عَن ارادته
    فيظل موطنا نفْسه علي مقاومة كُل وسيلة لاستجوابه
    وكان علينا ان نستغل هَذه الحالة فِي عملنا
    بان نتصرف فِي معاملة الاسير علي العكْس تماما مما يتوقع
    الحية الناعمة كَان ابو دَاودَ ضابطا مِن ضباط المخابرات الفلسطينية القلائل الَّذِين تميزوا باسلوب المهادنة فِي استجواب الجواسيس
    وكان يري ان تلك الطريقَة هِي الانسب لمعاملة هؤلاءَ الخونة لاشعارهم بمدي فداحة الجرم الَّذِي ارتكبوه
    ومن خِلال المعاملة الحسنة
    بدلا مِن التعذيب الَّذِي يتوقعونه
    يمتلكهم الاحساس بالذنب فيعترفوا
    لكن يبدو ان فلسفة الالمان ايام الحرب العالمية الثانية
    لم تكُن ذَات نفع مَع جاسوسة محترفة مِثل امينة المفتي
    الَّتِي دَربت علي كَيفية مواجهة المواقف الصعبة
    وترتيب الافكار بحيثُ لا تخطئ إذا ما اضطرت الي سردَ رواية ما مرتين
    وكَانت تمارين الذاكرة الَّتِي اجادتها تماما خير وسيلة لَها للتمسك باقوالها دَون تغيير
    وبرغم نفاذ صبر ابو دَاودَ الَّذِي واجهها بمذكراتها الَّتِي كتبتها بخطها وخباتها فِي شَقتها فِي فيينا
    الا ان الجاسوسة انكرت كُل شَيء
    وعللت كتابة مذكراتها بما تحويه مِن تفاصيل غاية فِي الدقة
    بأنها مريضة بالتوهم Delusion وباحلام اليقظة
    وقدَ تخيلت نفْسها بالفعل عميلة اسرائيلية فِي بيروت نظرا لخيالها الخصب الجامح
    ولتاثرها الشديدَ بقصة حيآة الجاسوسة الهولندية الشهيرة مارجريت جيرترودَ "ماتا هاري"
    وابنتها الجاسوسة باندا ماكلويد
    هَذا فضلا عَن رغبتها فِي الانتقام مِن العرب لفقدَ زوجها موشيه
    وعجزها عَن تحقيق ذلك
    مع شَعورها المتزايدَ بالغربة والكابة
    واحساسها بالاضطهادَ Persecution
    كَانت اجابتها المرتبة
    وبكاؤها المستمر وتشجنات عضلات وجهها
    امر يدعو الي الاحساس بالاسف
    فَهي تخرج مِن مازق تلو الاخر وكإنما ايام الاعتقال الانفرادي التسعة
    كَانت بالنسبة لَها الفرصة الذهبية لترتيب الافكار استعدادا للمواجهة المصيرية
    لذلِك

    كَانت شَكلا فِي غاية الثبات أمام المحقق

    اما بالداخِل

    فهُناك عمليات عقلية معقدة تتفاعل

    وتحلل

    وتستنبط

    وتختزن

    وتتوهج
    فتطلب المزيدَ مِن الماءَ بالسكر لتمنح بدنها المزيدَ مِن القوة Energy واليقظة
    لكن ضابطا كفئا مِثل ابو دَاودَ لَم يكن مِن السَهل ان يقنع بصدق اجابتها
    فَهو رجل حادَ الذكاءَ عظيم الخبرة فِي تخصصه
    حصل علي دَورات تدريبية عديدة علي ايدي رجال المخابرات المصرية فِي تعقب الجواسيس
    وقرا كثِيرا فِي علوم النفس والمنطق والطب العقلي
    وتصنيفات الامراض النفسية
    وبرع فِي كَيفية التعامل مَع مرضي الخيانة والكذب
    واستخلاص النتائج بَعدَ تحليل دَقيق للالفاظ والمدلولات
    حتي اشتهر عنه امتلاكه لحاسة شَم قوية تجاه الجواسيس
    وقدرته الخارقة علي اختراقهم والحصول علي اعترافاتهم بسهولة
    وان اضطر فِي بَعض الاحيان الي تغيير مِنهجه فِي الاستجواب
    بما يتناسب وثقافة المتهم وذكائه وقدرته علي المقاومة
    فَهو يستطيع ان يلعب بِكُل الكرات فِي تناسق وتتابع كَانه فريق كامل فِي ملعب شَاسع
    هكذا تدرب ابو دَاودَ واجادَ

    وكان عَليه ان يحاصر امينة باسرع ما يُمكن
    لكي لا يحس اعضاءَ شَبكتها باختفائها الغامض فيفرون الي خارِج البلاد
    لكنه وقف حائرا أمام تلك المرآة الماكرة
    الَّتِي استجمعت كُل قواها دَفعة واحدة وقاومته بشراسة لَم يعهدها

    كَانت تدافع عَن مصيرها باستماتة مِن يوشك علي الغرق
    فَهي تعلم فِي قرارة نفْسها ان مستجوبها اشدَ مِنها ذكاءَ وحدة

    واشرس مِنها صلابة وقوة
    ندان متضادان كُل مِنهما يسعي الي هدف مغاير للاخر
    ثمانية عشرة ساعة متصلة وامينة لا زالت كَما هِي

    لم تضعف أو تنهار

    او حتّى تبدل كلمة واحدة مِن اقوالها

    وابو دَاودَ يسالها السؤال نفْسه عشرات المرات فِي دَهاءَ وحنكة
    وهي تجيب فِي مراوغة واستبسال
    فكَانت اجاباتها كلها متناسقة ماعدا نقطة واحدة لَم تكُن ابدا مقنعة
    الا وهي سم السيانيد
    حيثُ بررت وجوده معها بأنها مصابة بالجنون الدوري Cyclothynia
    وهَذا الامر يسَبب لَها مضايقات وتشنجات تدفعها للتفكير بالانتحار
    ولما كَان سم السيانيدَ غَير متواجدَ بالاسواق اصلا
    وتستخدمه فَقط اجهزة المخابرات للتخلص مِن ضحاياها
    فقدَ كَان الامر مثيرا للشك ولا يقبل تاويلا هشا كالذي جاءَ علي لسان امينة
    ومن هُنا

    لم تكُن أمام ابو دَاودَ سوي اساليب الاستجواب المعتادة
    بعدما فشل فِي انتهاج نظرية الجستابو معها
    وهي اللجوء الي العنف والتعذيب
    وقدَ كَان كارها لذلِك جداً الا أنه اضطر الي ذلِك غصبا عنه
    فَهو كَما قال يتعامل مَع حية ناعمة الملمس

    كلما حاول الامساك بها انزلقت مِن بَين اصابعه هاربة
    واناب عنه زميله "ابو الهول" للتحقيق معها
    .....................
    قنبلة مِن الغضب كَان رجال الموسادَ فِي غاية القلق والتوتر
    فامينة اختفت فِي بيروت قَبل ان تتمكن مِن الهرب الي دَمشق
    لقدَ كَانت غارقة فِي الذعر والهلع
    وهو الامر الَّذِي يجعل الجاسوس فِي قمة حالات ضعفه وتفككه
    فتسَهل بذلِك السيطرة عَليه اثناءَ التحقيق
    ومهما حاول التماسك واستجماع جراته
    فَهو حتما سينهار فِي النِهاية ويعترف بِكُل شَيء
    ويرشدَ بسهولة عَن اعضاءَ شَبكته
    وعندما اكدَ عملاؤهم فِي بيروت ان مانويل ومارون وخديجة طلقاءَ ولم يتِم اعتقالهم
    كان الامر بالنسبة اليهم يَعني اما أنها لَم تعترف بَعد
    او ان الثلاثة تركوا كشرك لاصطيادَ كُل مِن يحاول الاتصال بهم
    وربما كَان الامر برمته مجردَ خطة خداعية متعددة الاطراف
    هكذا وقع رجال الموسادَ فِي تل ابيب فِي حيرة بالغة
    وامروا عيونهم فِي بيروت بالابتعادَ تماما عَن الثلاثة الطلقاءَ مُهما كَان السبب
    فهم يعلمون مدي شَراسة المخابرات الفلسطينية فِي معاملة الجواسيس الاجانب حين استجوابهم
    فما بالك والحالة هُنا لجاسوسة اردنية خدعتهم وامتزجت بقادتهم
    وتجولت بِكُل الاماكن العسكرية المحظورة فِي لبنان؟ كَانت المشكلة عِندَ الموسادَ اكبر بكثير مِن مجردَ سقوط احدي عميلاتها
    المشكلة الحقيقة تكمن فِي حالة الهلع الَّتِي ستصيب بقية عملائهم فِي لبنان إذا ما نشر الخبر فِي الصحف
    ساعتئذ فَقط قَدَ ينكشف اخرون افلت مِنهم زمام الجرآة وانكسرت صلابتهم

    وباتوا عرضة لهدم شَبكات اسرائيلية عديدة فِي بيروت تعمل فِي امان بعيدا عَن الخوف

    الذي هُو دَاءَ الشجاعة وقاتها
    اذ عادة ما تَكون الشجاعة الَّتِي يتحلي بها الجواسيس شَجاعة هشة مصطنعة لا ارض صلبة لَها أو جدران
    تماما هِي كالسراب الَّذِي تراه ايام القيظ فِي الصحراءَ

    مجردَ وهم خادع
    (!!)
    اما امينة المفتي

    فيالها مِن امرآة عجيبة

    متماسكة
    فبرغم ابتلاعها طعم بقاءَ موشيه حيا ومبادلته باسري سوريين
    الا ان احساسها بالذنب لَم يطغ عَليها أو يفتك بضميرها
    لقدَ تقمصت شَخصية اخري أمام المحقق
    وبدت بريئة مريضة بالوهم
    وما كَانت فِي حقيقتها الا متخمة بالخيلاءَ Conceit والعظمة
    فسيطرت عَليها اوهام الانتصار
    وترقبت مظاهر البطولة الَّتِي تنتظرها فِي اسرائيل
    وستراها جلية فِي عيني زوجها العائدَ مِن الاسر
    كَانت تُريدَ ان تؤكدَ لَه أنها امرآة احبت

    وزوجة ادمنت العشق حتّى الثمالة

    ومزقها غيابه الي الف قطعة
    تحولت كُل واحدة مِنها الي قنبلة مِن الغضب

    ستنفجر حتما فِي جسدَ العرب
    اما قلبها

    فكان بركان ينفث حممه فِي وجه البشر

    وصراخ لوعتها عَليه يصم اسماع الكون ويمزق سكونه
    وفي حبسها الانفرادي كَانت تستعدَ للمعركة القادمة

    وتشحن ذاتها بِكُل ما تبقي لديها مِن قوة ومناورة
    وتعيدَ تنظيم خطوط دَفاعها املا فِي الافلات
    فقدَ كَانت تعلم بان ادلة اثبات خيانتها هشة ومن السَهل تفنيدها
    كذلِك لَم يضبط بَعدَ أحدَ اعضاءَ شَبكتها فيعترف عَليها
    لذلِك وطنت نفْسها علي المقاومة والاستبسال فِي الانكار والدفاع
    فحتما

    سيضيقون بها ولن يَكون أمامهم سوي طردها خارِج بيروت
    لكن المفاجآة الَّتِي لَم يتوقعها أحدَ مطلقا
    ان سلطات الامن اللبنانية تدخلت
    واجبرت الفلسطينيين علي الافراج عَن المعتقلة لتَقوم هِي بالتحقيق معها
    لقاءَ فِي عالية هكذا خرجت امينة المفتي وكَما توقعت منتصرة مِن حبسها
    وتتسلمها السلطات اللبنانية الَّتِي رات أنها بريئة
    وان الشكوك الَّتِي طالتها باطلة مجحفة
    وأنها طبيبة عربية مخلصة لوطنها العربي ايما اخلاص
    وكان ان خيرتها ما بَين البقاءَ فِي بيروت أو مغادرة لبنان مَع وافر الشكر
    فاختارت امينة ان تغادر الي فيينا
    وطالبت بوثيقة سفرها الَّتِي احتجزها الفلسطينيون
    لقدَ راي ابو ايادَ وعلي حسن سلامة وابو دَاود
    ان يسلموا امينة للبنانيين احتراما لسيادة الدولة اللبنانية
    لكي لا تزدادَ الخلافات حدة
    وتتصاعدَ فِي وقْت كَانت فيه الحرب الاهلية مشتعلة وفي طريقها لان تدمر العلاقات الطائفية تماما
    لكن

    كَانت لقاءات عديدة ومطولة قَدَ تمت فِي عالية بَين ابو ايادَ والشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني
    لمحاولة الاتفاق علي التعاون الامني بينهما للحدَ مِن جيوشَ الجواسيس الَّتِي تجوب لبنان دَون خوف
    وفي اللقاءَ الاخير كَان الوزير يجلس علي الارجوحة فِي حديقة منزله الصيفي وبيديه مسبحة طويلة يلعب بحباتها فِي هدوء
    وهو يستمع بانتباه كبير الي ما يقوله ابو اياد: إذا لَم نتعاون يا شَيخ بهيج فهُناك خطر يهددنا ويهددكم معنا
    ان التنسيق بَين اجهزة الامن اللبنانية واجهزة امن المقاومة اصبح أكثر مِن ضرورة

    لقدَ اصبح واجبا وطنيا
    ويوافق الوزير علي كلام القائدَ الفلسطيني

    ويتابع القائد: نحن علي استعدادَ يا شَيخ بهيج ان نضع معلوماتنا بتصرفكم
    ان اجهزة رصدنا فِي الخارِج وخاصة فِي اوروبا قوية
    ونستطيع إذا تعاونا معا ان نفْسدَ أكثر مِن مخطط
    فنحن لا نستطيع ان نعمل بمفردنا فِي لبنان
    وانتم لا تستطيعون العمل بمفردكم
    علينا ان نتعاون
    ويوافق الشيخ بهيج مَرة اخري ويتابع ابو اياد: اعذرني علي صراحتي سيادة الوزير
    فالقضية خطيرة

    خطيرة جداً واخطر مما تتصور
    فنحن عندما قبضنا بَعدَ عملية فردان 1973
    علي الفرنسي ايف رينيه دَي توريس صاحب مطعم ايف لِي ميشو كَانت معلوماتنا تؤكدَ بانه ضالع فِي العملية
    وانه يعمل لحساب اسرائيل فِي لبنان
    وبالصدفة

    كان ببيروت مخرج جزائري مِن المتعاطفين مَع حركة المقاومة اسمه محمدَ بوضياء
    ولان بوضياءَ يتقن الفرنسية فقدَ طلبنا مِنه ان يساعدنا فِي التحقيق مَع الفرنسي
    وبعدَ ان كادَ الفرنسي ان يعترف قامت علينا القيامة
    واشتدَ الضغط واتهمنا باننا نمارس سلطات الدولة اللبنانية
    فاضطررنا الي اطلاق سراحه
    وسلمناه الي السلطات اللبنانية مَع ملفه الكامل لكي تتابع التحقيق معه
    لكننا فوجئنا باطلاق سراحه بَعدَ 24 ساعة مِن تسليمه
    وبالسماح لَه بمغادرة لبنان الي فرنسا
    وبعدَ شَهر واحدَ

    تسلمنا رسالة مِن بوضياءَ يقول فيها بالحرف الواحدَ ليس مِن قبيل الصدفة ان اصطدم بالفرنسي دَي توريس الَّذِي حققت معه فِي بيروت
    في كُل مكان اذهب اليه فِي باريس

    )
    وبعدَ يومين مِن تسلمنا الرسالة
    اغتيل بوضياءَ فِي باريس بعبوة ناسفة فِي سيارته
    وقبل ايام

    القينا القبض علي طبيبة اردنية تؤكدَ معلوماتنا أنها تتعامل مَع الموساد
    ومن جديدَ

    قامت القيامة فسلمناها مَع ملفها الي السلطات اللبنانية
    ومن جديدَ

    سمح لَها بمغادرة بيروت الي فيينا
    لكننا

    سيادة الوزير الموقر



    نطلب منكم مهلة للتحقيق معها مَرة اخرى

    مهلة بسيطة لَن تستغرق أكثر مِن ثلاثة ايام سنطلعكم بَعدها علي ما انتهينا اليه
    لقدَ كَان هُناك رجل يحمل الاوراق المغربية
    اعترف لنا اعترافات كاملة بانه عميل لاسرائيل وجاءَ للبنان أكثر مِن مَرة للتجسس علي اخبار المقاومة
    ولدينا ملفات عَن أكثر مِن عشرين عميلا يحضرون الي لبنان وينزلون فِي افخم الفنادق علي أنهم رجال اعمال
    نحن نعرفهم واحدا واحدا
    واسما اسما
    ونعرف أنهم عملاء
    ولا نطلب منكم ان تعتقلوهم أو تحققوا معهم
    ولكن نطلب فَقط مَنعهم مِن دَخول البلاد
    انه اجراءَ بسيط سيدي الوزير
    فنحن أيضا لا نُريدَ اعتقالهم حرصا علي السيادة اللبنانية
    ولكننا فِي الوقت نفْسه لا نستطيع ان نقف مكتوفي الايدي وحياتنا مهددة بالخطر
    كان الشيخ بهيج تقي الدين يستمع الي ابو ايادَ فِي ذهول
    وما ان أنهي القائدَ الفلسطيني كلامه حتّى وافق الوزير فورا علي مطلبه لخاص باعتقال امينة المفتي مَرة ثانية
    والبحث فِي امر العملاءَ الاخرين تمهيدا لمنعهم مِن دَخول لبنان
    وهكذا

    عادت امينة دَاودَ المفتي الي الجانب الفلسطيني
    دون تدخل لبناني تَحْت اية ظروف فِي التحقيق
    كهف السعرانة حبست امينة مقيدة بالجنازير دَاخِل زنزانتها الاولي بباطن الارض
    تمهيدا لاستجوابها باسولب مغاير
    يدفعها لان تعترف بالحقيقة كاملة
    وترشدَ عَن شَركائها فِي شَبكة الجاسوية
    لكن

    كَانت هُناك رؤية امنية تحبذ نقلها الي خارِج بيروت
    بعيدا عَن رحي الحرب الاهلية المشتعلة
    وتحسبا لاية نوايا اسرائيلية خاصة بَعدَ عملية فردان المشؤومة
    واستغرق التفكير فِي مكان حجزها ساعات طويلة مِن الليل
    ضمت ابو اياد
    وعلي حسن سلامة
    وابو دَاود
    وابو الزعيم فِي اجتماع خطير لتحديدَ مصير العميلة الاسرائيلية
    لقدَ جلس ابو ايادَ صامتا كعادته يشعل سيجارة مِن اخرى
    تنتقل عيناه بَين الرجال الثلاثة وهم يتجادلون
    ويستعرضون الاماكن الَّتِي تصلح لاخفاءَ العميلة الماكرة
    كان علي حسن سلامة يري ان ابقاءها فِي المكان نفْسه هُو الاصوب
    حيثُ تحيط بالمبني الاسوار العالية
    ومباني منظمة التحرير الفلسطينية فِي حي الفكهاني
    لكن ابو الزعيم تشكك فِي كون المكان امنا بالدرجة الكافية
    فقدَ تخطط الموسادَ لاختطاف امينة لرفع معنويات جواسيسها فِي لبنان
    وللانتقام مِن علي حسن سلامة الامير الاحمر الَّذِي امرت جولدا مائير باعدامه ثارا لعملية ميونيخ
    وأيضا

    لاغتيال الفدائيين الثلاثة عدنان وجمال الجاشي
    وابو العيسي ابطال مذبحة ميونيخ الَّذِين بقوا علي قيدَ الحياة
    ويقيمون تَحْت حراسة مشددة بمقر الجبهة الديموقراطية المحاور
    اما ابو دَاودَ فقدَ اقترح ان يتِم نقلها فورا الي وادي البقاع حيثُ لَن تستطيع الموسادَ التوصل الي مكانها
    ويَكون الامر محاطا بالسرية المطلقة تحسبا للوشايات
    وبعيدا عَن الخونة الَّذِين يضعفون أمام الاغراءات الاسرائيلية مِن بَين صفوف الفلسطينيين انفسهم
    وعِندَ هَذا الحدَ مِن الحديث نطق اخيرا ابو زيادَ وقال ان الامر لا يستدعي كُل هَذا الخلاف
    فعملية نقل امينة مِن حسبها الامن فِي بيروت الي مكان آخر ليس الغرض مِنه الخوف مِن الاسرائيليين
    فهم لَن يجراوا علي القيام بعملية كوماندوز اخري مشابهة لفردان
    لعلمهم باننا اتخذنا شَتي التدابير الامنية لحماية منشاتنا ومقار اقاماتنا
    وعيونهم الَّتِي تجوب شَوارع بيروت بمختلف الجنسيات تنقل اليهم تلك الحقيقة وتؤكدها
    إنما التفكير فِي عملية نقل امينة لجهة اخري يرجع الي كونها امرآة استشعرت الامان فِي محبسها الحالي
    ووضعت خطط دَفاعها أمام مستجوبيها
    ونقلها لمكان آخر امر فِي حدَ ذاته محير بالنسبة لها: وسيشعرها بالخوف لأنها تجهل ما سيحدث معها وطالما هِي خافت فقدَ فقدت تركيزها
    واري أنه للوصول الي اعترافات سريعة مِنها
    يَجب نقلها الي مكان موحشَ وليكن كهف مِن كهوف الجنوب
    فالتمسك بالحيآة حتما يدفع المرء لان يضحي بِكُل ثمين
    واعترافها بالتجسس لصالح الاسرائيليين لَن يَكون ابدا اثمن عندها مِن حياتها
    ففكروا معا فِي أي كهف ستاخذونها اليه
    عندئذ

    تهللت الوجوه استحسانا لراي القائد
    وجيء بخارطة كبيرة للجنوب اللبناني انكبوا عَليها يفحصون عدة مواقع
    الي ان انتهوا الي موقع كهف يقع الي الشرق مِن جسر القاسمية بَين صيدا وصور
    يبعدَ عَن ساحل البحر المتوسط حوالي تسعة عشر كيلو مترا
    اطلق عَليه سكان المنطقة اسم "كهف السعرانة"
    وتقع بالقرب مِنه بَعض معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية
    مقابل شَربة ماءَ

    ! لمسافة ثمانين كيلو مترا أو يزيد
    انطلقت فِي الليل السيارة الجيب الَّتِي تقل امينة المفتي الي محبسها الجديد
    كَانت الاسيرة المغمآة متهالكة تماما لحرمأنها مِن الطعام طوال يوم كامل
    وما ان غادرت السيارة يتابطها جنديان مفتولا العضلات
    احست بقشعريرة مخيفة تسري باوصالها
    فالمكان شَبه خاو بلا حركات
    صوت الاقدام الصاعدة وهي ترتطم بالصخور والحصي يزيدها هلعا
    قالت فِي وهن أنها جائعة فقيل لَها ان لا طعام لديهم
    كان الصعودَ شَاقا والاعصاب مرهقة تنبض بالتوتر
    ونادرا ما تنامت الي مسامعها اصوات غريبة
    لكن هيئ لَها ان هُناك ايادَ اخري عديدة ساعدت فِي صعودها الي المرتفع
    حتي إذا ما وصلت الي نقطة ما

    ازالوا الكيس الاسودَ عَن وجهها
    لتصطدم بَعدَدَ جرار مِن الضباط والجنودَ واقفين فِي جمودَ وامتعاض تتدلي الرشاشات مِن اكتفاهم
    وعندما اقتادوها الي الداخِل ادركت رغم الاضاءة الباهتة أنها بداخِل احدي المغارات
    لكنها فشلت فِي تخمين موقعها

    افي الشمال هِي ام بالوسط أو بالجنوب كَانت تحس بدوار عنيف كمن فقدَ اتجاهه واتزانه
    واستسلمت للايدي الَّتِي تدفعها بقسوة الي عمق الكهف الممتدَ بباطن الجبل تتدلي صخوره كالاشباح المعلقة
    وتبدو نتوءاته فِي ظلال الضوء المتحرك كجنيات الاساطير المرعبة

    وفجآة

    شق الصمت القاتل المحيدَ بوقع الاقدام صراخا مريرا

    كان هُناك مِن يقدَ اللحم مِن جسدَ حي
    وكلما اقترب مصدر الصراخ ابتعدت ارادة الاسيرة وذهب عقلها
    فتصبب مِنها العرق المالح

    وارتعدَ الجسدَ الناعم المنهك السخي بالانوثة

    ففقدت الي الابدَ بصيص امل فِي النجاة
    وبينما يتشقق حلقومها الجاف المر الرضاب
    انطلق بولها غصبا عنها ساخنا يزيدَ الجسدَ جفافا وانطفاء
    ويولدَ لديها اقصي مشاعر الرعب والهلع
    عندما وقفت أمام مشهدَ مروع اطلقت المرآة صرخة سحبتها مِن جذور اظافر اصابعها حتّى شَعر راسها
    مشهدَ هُو بحق افظع مِن وصف مذبحة بشرية حية
    فقدَ رات امينة المفتي فتآة علقت مِن ساقيها الي الحائط
    تمتدَ خيوط الدم مِن كُل موضع فِي جسدها لتتجمع فِي النِهاية فِي بقعة متجلطة اسفل راسها
    وشعرها الطويل المدلي يصل حتّى لقرب البقعة تفور مِنه صنابير الدماءَ المتفجرة

    وافاقت امينة علي صوت القائدَ كَانه الصاعقة ايتها العاهرة

    ارتدي البنطلون والسترة
    "هكذا ترتدي النساءَ المعتقلات
    لكي لا تظهر عوراتهن اثناءَ التعذيب" واشار الي أحدَ الجنود: حل قيودها حتّى تبدل ملابسها
    سخرت امينة فِي حسرة مِن نفْسها

    فقدَ كَان جسدها العاري لوقت قريب يذيب العقول
    الآن تقف عارية وعشرات الاعين ترقبها
    لكنها تنظر اليها باختلاف عما اعتادته هِي مِن نظرات الجوعى
    يالكُم مِن رجال اغبياءَ لا تدركون لسع انوثتي

    وجحيمها
    لو انكم مائة رجل لاسلمت لكُم نفْسي

    طواعية

    طواعية

    مقابل شَربة ماء

    وشريحة خبز صخري اسود"
    هكذا قالت فِي دَاخِلها

    وهي تقف مسلوبة الارادة بالملابس العسكرية الَّتِي ارتدتها
    ترمقهم فِي انكسار وهم يدقون الحلقات الحديدية بالجدار ليعلقوها كزميلتها
    لكن القائدَ الصارم الوجه قال بحسم: كبلوا يديها ورجليها علي خلاف حتّى يجيء ابو الهول " ضابط مخابرات فلسطيني محترف تراس بَعدَ ذلِك مخابرات فَتح"
    هكذا ربطت امينة بالجنازير الي الحائط
    وحمل الجندي فِي تافف ملابسها الداخلية المبتلة
    في ذَات الوقت الَّذِي وصل فيه الطبيب لتضميدَ جروح زميلتها
    وما هِي الا دَقائق حتّى انصرف الجميع
    وخيم الصمت والظلال علي المكان الموحشَ فازدادَ وحشة
    وكان انين الفتآة الاخري هُو مرآة الرعب بعينيها
    وصدي الخوف فِي كهف السعرانة الَّذِي تحال مِن حوله قصص خرافية
    عن امرآة عقرها كلب مسعور فطفقت تجوب الوديان والجبال مسعورة
    يطاردها الناس بالعصي والحجارة حتّى التجات الي الكهف الَّذِي سمي باسمها ووجدت بِه ميتة
    السقوط فِي الفخ كَان الوقت قرب الفجر عندما افاقت الفتاة
    واخذت تهذي باللغة الفرنسية الَّتِي كَانت امينة تجيدها فانتبهت الاسيرة اليها وقدَ خرجت عَن محيط الهلع الَّذِي غلفها
    لقدَ حاولت امينة طوال ساعتين ان تتحدث مَع الفتآة دَون جدوى
    وما ان نطقت الاخيرة ببضع كلمات حتّى صاحت امينة بالفرنسية
    أو

    يا عزيزتي

    حسبتك عربية مِثلي
    كَان الظلام شَديدا جداً بداخِل الكهف
    وبرغم ذلِك كَانت امينة تتجه بوجهها ناحية الفتآة وتبحلق فِي انتباه
    وجاءها صوت ضعيف واهن تمتزج بِه حشرجة تتارجح علي اللسان فِي صعوبة: اانت عربية

    نعم

    من الاردن

    لماذَا يفعلون بك ذلِك

    حظي المشؤوم يا عزيزتي

    حظي هُو الَّذِي جاءَ بي الي هنا
    فرنسية أنت مِن شَيربورج علي بحر المانش
    لماذَا أنت هنا

    قصة طويلة لَن استطيع سردها
    كل ما اطلبه منك ان تحفظي هَذا الرقم جيدا
    ولا تنسيه ابدا ان اطلقوا سراحك
    انه تليفون امي فِي فرنسا
    اولن يطلقوا سراحك لا اظن

    فهم اناس متوحشون لا يعرفون الرحمة
    ارجوك

    ساعديني وقصي علي حكايتك قَبلما يجيئون

    ما اسمك اولا يا اختاه

    سيمون

    سيمون دَوابرفيه

    وانت
    . أنا امينة

    امينة المفتي
    طبيبة متطوعة فِي لبنان
    اعتقلوني بتهمة التجسس لحساب الموساد
    اوه

    يالحظك السيىء
    .هل فعلوا معك مِثلي مِن

    رجال الموسادَ هؤلاءَ الاوغادَ الاغبياء
    طلبوا مني اثناءَ سياحتي فِي اسرائيل ان اصور لَهُم ميناءَ صيدا ومخيمات اللاجئين
    ومنحوني خمسمائة دَولار مقدما وكاميرا تلسكوبية
    وبينما اقوم بمهمتي اعتقلني الفلسطينيون وعذبوني لارشدهم عَن بقية اعواني فِي لبنان مقابل اطلاق سراحي
    اوارشدتهم

    اقسمت لَهُم الف مَرة بانني لا اعرف احدا بلبنان لكِنهم لا يصدقون
    عشرة ايام هُنا فِي الكهف اغتصبني اثناءها ثلاثون كلبا مِنهم
    وماذقت سوي الخبز الجاف والماءَ العطن
    لقدَ ضيعت نفْسي بغبائي وحماقتي وحتما سيقتلونني هنا
    "انفجرت فِي بكاءَ هستيري" ارجوك

    امي ستموت حزنا لانني وحيدتها

    اتصلي بها واخبريها بما حدث لِي "وذكرت رقم الهاتف"
    أنا لا اضمن لك ذلِك "بياس" فمصيري أنا الاخري مجهول

    ومظلم كهَذا الكهف الكريه
    هَل يشكون بك ايضا

    أنهم اناس مرضي بالشك
    نعم

    يشكون بي ولا دَليل واحدَ لديهم
    بهمس

    اخدعك رجال الموسادَ مِثلي

    لقدَ اقنعوني بان الفلسطينيين اغبياءَ

    وفي حالة انكشافي فلن يتركوني بَين ايديهم ابدا
    وسيخطفونني كَما خطفوا ايخمان النازي مِن الارجنتين
    هُم قالوا لِي أكثر مِن ذلِك "هكذا سقطت امينة فِي الفخ" ووعدوني بالا يمسني أحدَ مُهما كَانت ظروف اعتقالي
    بهمس: لا تعترفي باي شَيء لَهُم فكلما اعترفت طلبوا المزيد
    ..والمزيدَ واطلقوا كلابهم تفتك بك فِي ضراوة
    اخشي الا يرحموني
    سيعدونك باطلاق سراحك: لانك اجنبية
    اذ ارشدتهم عَن شَركائك
    لكنهم لَن يفوا بوعدهم

    لن يفوا ابدا
    اوه

    يا الهي

    لقدَ جاءوا ليقتلوني
    فجر الحيآة قطع الحوار بينهما وقع اقدام ثقيلة تقترب
    وسرعان ما ظهر ثلاثة ضباط يتبعهم عدَدَ مِن الجنودَ يحملون الكشافات المبهرة
    تجاهلوا امينة واتجهوا الي الفتآة الفرنسية علي بَعدَ اربعة خطوات مِنها
    وكَانت المسكينة ترتجف فِي رعب
    تلهث عيناها الزائغتين بحثا عَن شَعاع امل لانقاذها
    لكن الضابط الكبير الَّذِي كَان يبدو متبرما عجولا
    امر أحدَ مرافقيه ان يسالها لاخر مَرة عَن اعوأنها فِي لبنان
    ولما اجابت بالنفي اشار بيده فِي حركة ذَات مغزى
    فاصطف اربعة جنودَ يحملون بنادقهم الالية
    واتخذوا وَضع الاستعدادَ وقدَ جذبوا اجزاءَ الرشاشات
    وانطلقت الرصاصات الي صدر الفتآة فافترشت الارض كومة مِن حطام
    وامتدَ صراخ امينة يشرخ جدران الكهف الصخرية
    ويتموج ملتاعا فِي جوف الليل الي عنان الفضاء
    صراخ هيستيري متواصل يحمل ابشع مشاعرها رعبا وهي الَّتِي تعودت التوحشَ والسادية
    وانتزعت ما بداخلها مِن نبضات رحمة وحنان
    عندئذ قال أحدَ الضباط لقائده: سيادة العقيدَ ابو الهول

    الا نعدمها هِي الاخري اجاب ابو الهول علي الفور: لَو لَم تتكلم قَبل منتصف النهار
    فلن نجدَ حلا اخر
    ومشيرا الي الجنودَ فِي قرف: ارموا الجثة خَلف الجبل
    ودقوا راسها بالصخور
    غمرت الكشافات جثة الفتآة الغارقة فِي دَمها
    وهنا

    هنا فَقط

    عندما سحبوها مِن ذراعيها الي الخارج
    ووقعت عينا امينة علي المشهدَ المروع
    انهارت تماما

    وفقدت آخر قلاع دَفاعاتها
    وصرخت فِي ذلِك وَضعف تستغيث: ساتكلم

    ساقول لكُم كُل شَيء

    اخرجوني مِن هُنا لانني خائفة مِن الدم

    اخرجوني لاتكلم
    وبصوت اجشَ صاح فيها ابو الهول: أنت كاذبة

    ومخادعة

    وستضيعين وقْتنا هراء
    وبحسم قال امرا: علقوها مِن ساقيها واضربوها بالكرباج
    وتحرم مِن الماءَ والطعام حتّى اعودَ قَبل الظهر
    وعِندَ مدخل الكهف

    كَانت الفتآة الفرنسية تقف فِي زهو
    وقدَ علت وجهها ابتسامة رقيقة تتخلل الدم المستعار
    وعندما ادركها ابو الهول
    ربت علي كتفها وقال وهو ينظر بعيدا حيثُ الفجر الوليد: انظروا الي صديقتنا فرانسواز *

    أنها حقا قامت بمعجزة
    ونحن جميعا نجلها لاخلاصها لنا
    انه اخلاص نقي بريء

    يشبه الفجر

    فجر الحيآة
    ونطقها بالفرنسية L’autre de la vie
    طريق الخلاص وبينما يغادر العقيدَ ابو الهول كهف السعرانة ترافقه فرانسواز كاستيمان
    كان صراخ امينة لا يزال يترددَ عاليا عَبر الجنبات موشم بالهلع: اخرجوني

    ساتكلم

    ساعترف
    لكن الجنودَ كَانوا قَدَ شَرعوا فِي تنفيذ اوامر قائدهم
    اذ كبلوا قدميها بحزام عريض مِن الجلد
    وعلقوها كالشاه الي سقف الكهف بواسطة سلسلة حديدية
    وانهالوا علي جسدها ضربا بالكرابيج
    هكذا رسم الضابط الذكي خطته المحبكة لانتزاع اعترافاتها باسرع ما يُمكن
    معتمدا اولا علي المتطوعة الفرنسية المخلصة فِي بث الرعب بقلب امينة لتطويعها
    واللجوء الي التعذيب الشديدَ ثانيا لتخور تماما

    وفي خِلال ساعات معدودة
    فقدَ كَان هُناك وعد
    ابو ايادَ لوزير الداخلية اللبناني الشيخ بهيج تقي الدين: بانهاءَ التحقيق مَع امينة خِلال ثلاثة ايام فقط
    تسلم بَعدها الي السلطات اللبنانية
    وها هِي الساعات الحرجة تمر سراعا
    ولم يتبق مِن المهلة سوي خمسين ساعة
    بعدها لَن يسمح بابقائها رهن التحقيق لحظة واحدة
    اذا لَم يكن هُناك اعتراف مِنها صريح
    وواضح

    وعندئذ

    ستغادر لبنان فِي بجاحة المنتصر وهي تخرج لسأنها للفلسطينيين
    لذلِك

    عمدَ ابو الهول الي تجاهل رغبتها فِي ان تعترف
    فَهو يدرك لسابق خبراته الطويلة
    أنها ستلف وتدور وتحيك الاكاذيب إذا ما انصت اليها فورا

    ولكي لا يضيع الوقت هباءَ

    راي ان التعذيب بتلك الوسيلة سيختصر المسافة والوقت
    خاصة وأنها تنطلق بشدة الي قمة لحظات الضعف الانساني
    خوفا مِن الاعدام
    وهي المتمسكة والراغبة فِي الحياة
    لقدَ كَان الاقتتال عنيفا مَع عقارب الزمن
    ومع تلك المرآة الخائنة الذكية
    الَّتِي دَربت فِي الموسادَ علي المراوغة والدفاع
    لذا فالتعذيب المؤلم سيصيب ارادتها بالشلل
    ويقضي علي تفاعلات عقلها وشحنات المقاومة به
    بل أنه سيجتث فيها الكذب والخباثة
    ويحيلها الي مجردَ امرآة لا تفكر سوي فِي انقاذ حياتها
    مهما كَانت التضحيات والخسائر
    متجاهلة كُل وعودَ الموسادَ بحمايتها
    فالالم المصحوب بالهلع طريق سَهل احيانا للسيطرة علي نوعية معينة مِن الجواسيس
    اذا ما اغلقت أمامهم ابواب النجآة والامل
    والعقيدَ ابو الهول لَم يعتمدَ علي هذين الاسلوبين فقط
    بل نشط فِي استغلال كافة ما لديه مِن معلومات
    حصل عَليها رجال رصدَ فِي فيينا
    لاخضاع العميلة اخضاعا تاما لا شَك فيه
    وظهر ذلِك جليا فِي اسلوب الاستجواب المعقدَ الَّذِي انتهجه بَعدَ ذلك
    كَانت الدقائق تمر رهيبة الوقع علي العميلة الاسرائيلية
    الَّتِي امنت مِن قَبل باكذوبة الموسادَ الاسطورية
    بان الفلسطينيين لَن يكشفوها ابدا
    لانهم رتبوا كُل شَيء لحمايتها فِي حالة كشفها
    فرجال الكوماندوز الاسرائيليين
    خاصة فريق العمليات الخاصة المعروف باسم السايريت ماتاكال سيعثرون عَليها وسيخطفونها الي اسرائيل بالقوة
    كَما فعلوا مَع النازي ادولف ايخمان الَّذِي خطفوه مِن الارجنتين عام 1960 واعدموه فِي تل ابيب
    ومع الطفل يوسيل شَوماخر الَّذِي اختطف مِن اسرائيل عام 1959 وعثرت عَليه الموسادَ فِي نيويورك عام 1962 لكِن العميلة الواهمة وقدَ افاقت علي الحقيقة المؤلمة
    لفظت ايمأنها العميق بالموساد
    وامنت لحظة صراخها أمام مشهدَ الاعدام بان الاعتراف بصدق هُو طريق الخلاص الوحيدَ مِن النِهاية المرعبة
    اما وقدَ علقوها الي السقف وتناوبوا ضربها بالسياط
    فقدَ اشتدَ اصرارها علي الاعتراف ليكف الجنودَ عَن تمزيق جسدها
    لكن الجندَ لَم يرحموها

    واستمروا فِي تعذيبها دَون اكتراث بصراخها
    او الي حقيقة أنهم يضربون امرآة

    كَانت عربية شَهقة المصدوم وقرب الظهر

    توقف اسفل مدخل الكهف سيارة جيب
    ترجل مِنها ضابط برتبة مقدم وجنديان يحمل احدهما حقيبة متوسطة الحجم
    تحمل جهاز تسجيل متطور ذا سعة عالية
    وضعها بعناية فَوق قطعة صخرية مستوية بالقرب مِن امينة
    وانهمك الاخر فِي شَدَ الاسلاك الكهربائية الي بطارية السيارة الجيب بينما وقف الضابط يقلب بَعض الاوراق بَين يديه
    متجاهلا الالتفات الي امينة المفتي وسالها فِي صوت حادَ اجش: مِن هُو رئيسك المباشر فِي الموسادَ "ويطلق عَليه ضابط الحالة"
    وبصوت كَانه همس الموت اجابت فِي وهن: ساموت عطشا

    اسقني و


    وقبل ان تكمل الجملة رفع الضابط اصبعه
    فهوي علي ظهرها سوط ثقيل
    ذَات صداه وسَط صراخها الشديد
    واجابت علي الفور: اشيتوف

    ايرييل اشيتوف
    فقال وهو لا يزال ينظر الي الاوراق بَين يديه: أين جهاز اللاسلكي ونوتة الشفرة اجابته فِي سرعة مذهلة وهي ترمق الجندي ذي الكرباج بخوف: امروني ان اضعه بصندوق القمامة اعلي شَقتي ببيروت وان احرق اوراق الشفرة الَّتِي كَانت بالمصحف
    كَم تقاضيت مِن الموسادَ مقابل التجسس علينا لَم اخذ سوي اربعة الاف دَولار
    وكنت انفق مِن اموالي الخاصة لانهم صرفوا لِي تعويضات زوجي المفقود
    هَذه المَرة التفت اليها الضابط وهو يصيح فِي انفعال: اتعودين الي الكذب ثانية ايتها المومس
    وتدعين بانك تنفقين مِن جيبك علي الموسادَ صرخت امينة فِي رعب: سيدي الضابط

    أنها قصة طويلة

    "اجهشت بالبكاء" وانت لَم تسالني عَن البِداية

    ارجوك

    اسقني وسوفَ ادلي باعترافي منذُ بدات القصة
    صاح فيها الضابط محتدا وهو يلوح ناحيتها بمسدسه: عندي اوامر صارمة بان اقتلك فورا بالرصاص
    ان تاخرت فِي الاجابة علي اسئلتي
    فكوني حذرة فِي اختيار الفاظك واياك والكذب
    انبهك ثانية: اياك والكذب ايته العاهرة
    فنحن نعرف عنك كُل شَيء

    كل شَيء بالتفصيل منذُ خدعك موشيه وتزوجك

    وهاجر الي اسرائيل تنفيذا للخطة المرسومة
    افكنت تعتقدين بانه احبك حقا خرقاءَ أنت ان كنت صدقت ذلِك فيهودي مِثله لَن يعاف حسان قومه ليقترن بدميمة مِثلك
    هكذا كَانت خطة الخداع الفلسطينية الَّتِي تعتمدَ علي زرع الشك فِي صدر امينة
    والتلويح بوجودَ قصة كذب محبوكة جيدا وراءَ عملية تجنيدها

    ولكي يسيطر عَليها الشك تماما وهي فِي حالة الضعف تلك
    مسلوبة الارادة والتفكير النقي
    استمر الضابط فِي سردَ بَعض التفاصيل الماخوذة عَن مذكراتها
    لقدَ وقعت ايتها الغبية فِي شَبكة خداع متقنة اوقعتك بها "سارة" الَّتِي هِي فِي الاصل عميلة للموساد
    واستطاع رجالنا الاجهاز عَليها فِي فيينا
    وفي اسرائيل خدعوك مَرة ثانية
    عندما ادعو بان موشيه انفجرت بِه الطائرة فَوق سوريا ولأنها كَانت اضعف مِن ان تفكر

    او تحلل ما قاله الضابط الغليظ القلب
    شهقت شَهقة المصدوم
    وهزت بعنف راسها المدلآة وهي تئن فِي غَير وعي: مستحيل

    مستحيل ان يفعل موشيه ذلك
    انا لا اصدق

    "النفي هُنا مشبع بالاستسلام والرفض معا" كالدهر كَانت تمر اللحظات القليلة
    الَّتِي تذكرت امينة اثناءها قصته منذُ البِداية مَع سارة
    وكيف شَاركتها الشذوذ وجرتها الي حيآة الهييبيز البوهيمية
    حتي اخذتها معها الي وستندورف فِي زيارة لاسرتها بلا موعد
    فهُناك التقت بشقيقها موشيه الضابط الطيار
    فانجرفت معه بلا عقل فِي قصة حب مجنونة
    .محرمة
    تخللها الجنس الَّذِي عشقته معه حتّى ادمنته
    واسلمت اليه قيادَ نفْسها طائعة

    بلا اكراه
    وتساءلت امينة فِي نفْسها
    برغم رائحة الموت الَّتِي تزحف مِن حولها: تري

    هل كَان موشيه صادقا فِي حبه

    ام ان القصة كلها مجردَ خدعة لذيذة

    تقودها الي الاعدام

    ؟
    كَان حديث الضابط الفلسطيني ذي الوجه الجامدَ يفتك بمجامع عقلها المنهك

    ويغوص بها فِي محيط لا آخر لَه مِن الشك

    والخيبة

    والاندحار
    .ورددت فِي نفْسها غاضبة

    "اذا
    .خدعتني سارة

    واحكم موشيه حلقة الخداع حَول رقبتي"
    هنا

    هنا فَقط

    نجحت تماما خطة ابي الهول فِي زعزعة ثقة العميلة فِي قصة حبها
    وفقدت بذلِك السيطرة علي عقلها
    كذلِك فقدت الهدف الَّذِي مِن اجله خانت وقْتلت

    ودمرت
    وباعت مِن اجله دَينها ووطنها
    وبضياع الهدف الرئيسي مِن وراءَ تجسسها
    انقلب ايمأنها بالانتقام مِن العرب الي هدآة رفض هِي مزيج مِن الحسرة

    والندم
    لكنها فيما بَعدَ اوجدت مبررات اخري لفعلتها
    في محاولة لتسكين لسعة المرارة الَّتِي التصقت بعقلها
    رائحة العذاب والموت كَان الموقف عصيبا جداً عِندَ امينة المفتي
    فقدَ اجادَ العقيدَ ابو الهول التعامل معها بتدرج حتّى اوصلها الي مرحلة الشك

    فالترنح
    .وليس هُناك مِن شَيء بَعدَ الترنح سوي السقوط
    وعِندَ السقوط يَكون المرء فِي اقصي حالات ضعفه

    وياسه

    وقهره
    .فلا عقل لحظتئذ أو ارادة
    إنما انصياع للاخرين يغلفه الخوار
    وفي مذكراتها تصف امينة بتلقائية شَديدة تلك اللحظات الحاسمة مِن حياتها
    الَّتِي عاشتها فِي كهف السعرانة
    وجاءَ وصفها لتفاعلاتها الداخلية فِي سردَ رائع صادق
    يحمل كُل صراعاتها مِن اجل الحياة
    مذكرات حوتها صفحات طويلة لا يستوعبها مجلدَ ضخم
    ضمنتها خلجات نفْسها بصراحة
    معتمدة علي اسلوبها الشيق فِي الوصف والتحليل بلغة عربية بسيطة
    ولنقرا معا ما كتبته عَن مرحلة الترنح
    تقول امينة المفتي: "عشت اسوا لحظات حياتي بَعدما اطلقوا الرصاص علي الفرنسية أمامي
    كَانت الفجيعة علي عمري قاسية
    والالم النازف اقصي

    وقلت فِي نفْسي: هكذا يموت الخونة
    وتصورت انني سالقي ذَات المصير
    وكانني كلب عقور لا ذكر لِي

    ولا اعتبار
    وتعجبت مِن الضابط الشرس ابو الهول الَّذِي ارعبني اسمه
    فَهو لا يُريدَ ان يسمع اعترافي
    كان لا يثق بي بالطبع فزميله ابو دَاودَ ضج مني وفشل معي مِن قَبل
    لقدَ كَان ابو دَاودَ طيبا ومريحا
    .اما ابو الهول فحروف كلماته طلقات رصاص
    ارتعدَ بدني وانا استعيدَ ملامح وجهه
    ووددت لَو أنه جاءَ ثانية لاستجوابي بنفسه
    فساعتئذ لَن انتظر مِنه سؤالا واحدا
    نعم

    قررت الا اتركه يسالني
    لانني ساقول لَه كُل شَيء

    وبسرعة

    قبلما يثور فيامر باعدامي
    لكن

    لم يجيء ابو الهول

    ارسل بدلا مِنه ضابطا آخر يماثله فِي الشراسة والقسوة
    ضغط بعنف علي اعصابي
    اشعرني بتفاهتي

    وحقارتي ورايت الموت يتربص بي بَين اصابعه
    بل كنت اراه متحفزا فِي ماسورة مسدسه
    كنت لا انوي خداعه ابدا أو مراوغته
    فلا حيلة أمام سهام الموت المصوبة تجاهي
    لكنني

    تمنيت للحظة الا اموت ويلقي بجسدي فِي العراء
    وكان ذلِك عندما اكتشفت انني ضحية مؤامَرة قذرة
    بطلها زوجي موشيه

    وسارة والموساد
    في تلك اللحظة تمنيت الا يقتلونني
    وتضرعت الي الله نعم

    الي ربي الَّذِي عصيته وكفرت بِه ان ينقذني

    لاري موشيه موشيه الرومانسي الرقيق الحنون الَّذِي خدعني

    واضاعني
    كنت فِي حالة صراع قاسية

    صراع بَين حبي لموشيه الَّذِي بلا حدودَ وبين الحقيقة الَّتِي تفتك بي
    واسترجعت شَريط حياتي كلها فِي لحظة
    ووقفت عِندَ حكايتي مَع موشيه
    وتساءلت

    ماذَا سافعل معه لَو أنه كَان حيا بالفعل فِي اسرائيل
    . هَل سانتقم مِنه ام ساضعف أمامه واصفح

    سيطر الضابط المحقق علي امينة المفتي
    فخضعت لَه فِي استسلام وقدَ خارت عزيمتها
    وهوت صريعة الرعب فِي كهف موحشَ وسَط الجبال
    .تنبعث مِنه رائحة العذاب

    والموت
    وفاجاها الضابط بسؤال صاعق: مَع مِن مارست الجنس فِي لبنان

    بصوت مرتعشَ اجابت بَعدَ لحظة تفكير قصيرة
    .تسعة

    وكإنما ارادت تاكيدَ صدق اجابتها اضافت

    لبنانيان يعملان معي هما مارون الحايك ومراون عساف الموظف بشركة الهاتف
    وضابط فلسطيني فشلت فِي تجنيده اسمه ابو ناصر وخمسة اجانب
    هؤلاءَ ثمانية فقط
    من التاسع اجابت بنبرة خجل شَديدة

    خديجة زهران

    ! وهي أول مِن عرفت فِي لبنان وتملك محلا للملابس اسمه اللوار L OIRE
    كَانت تمطر دَما فِي كتابه الشيق "قبل الافاقة" يقول ضابط سوفييتي اسمه ليونيدَ يوكوف
    وهو خبير بشؤون المخابرات ومتخصص فِي استجواب الجواسيس والخونة
    عندما ينهار العميل المعتقل ويعترف باول معلومة بَعدَ جهاد
    يَكون كالكهل الَّذِي يرتقي الجبل
    ويجر خَلفه سلسلة طويلة متصلة الحلقات تمتدَ بَين الحصي والصخور
    كلما جلس ليستريح دَق بَعض حلقاتها ليسَهل عَليه الجر
    وقدَ يعتقدَ البعض ان اعترافات امينة المفتي الَّتِي ادلت بها لا تفي بالغرض
    فالضابط الفلسطيني لَم يسالها سوي خمسة اسئلة فقط
    واقول: لقدَ حملت اجاباتها اعترافا صريحا بالتعامل مَع الموساد
    وكذا اسماءَ شَركائها فِي شَبكة الجاسوسية
    وعِندَ هَذا القدر الهائل مِن المعلومات فِي الاستجواب الاول
    ظهر فريق مِن رجال المخابرات الفلسطينية يتراسهم العقيدَ ابو الهول
    لمهمة مباشرة التحقيق مَع الجاسوسة المنهارة
    دون منحها فرصة واحدة للراحة أو لاستردادَ انفاسها
    انه التوقيت الذهبي لاستجلاءَ خفايا الاسرار الَّتِي يحملها الجاسوس المعتقل
    حيثُ يَكون واقعا تَحْت ظروف نفْسية وجسدية مرهقة
    ومنحه فرصة ولو قصيرة للراحة
    معناه خسارة فادحة لا تعوض
    لانه بذلِك سيرتب افكاره ويتحصن بالاكاذيب الَّتِي دَرب عَليها واسترجعها لحظة عمل العقل المعطل
    وكان لوصول ابو الهول وقع الصدمة عِندَ امينة
    فَهو رجل بدا بلا قلب أمامها عندما اعدَم الفتآة الفرنسية
    وامر برميها خَلف الجبل وتحطيم راسها بالصخور
    صرخت الواهنة المدلآة مِن سقف الكهوف عندما لمحت الرجل المتجهم يقترب مِنها
    ويامر أحدَ الجندَ بان يعري ظهرها
    تاوهت المرآة الما والجندي يرخي سترتها
    ولما انكشف الظهر بدت خطوط السياط الحمراءَ المتقاطعة فِي كثافة
    فصرخ فِي جنوده بصوت جهوري اجش: اكنتم تدللونها يا اولادَ ال


    اما زلتم فِي مرحلة الحضانة
    وانهال ضربا علي الجنودَ الَّذِين تناوبوا تعذيبها وهو يسبهم ويقول: كَانت الفرنسية تمطر دَما

    اين دَم هَذه ال


    يا اوغاد؟
    ثُم اتجه بوجهه ناحية الضابط الَّذِي حقق معها وساله: هَل اعترفت بِكُل شَيء اجابه الضابط علي الفور وهو يقف منتصبا فِي انتباه: لَم تعترف بَعدَ سيادة العقيدَ أنها كاذبة
    هُنا

    ادركت امينة ان النِهاية قَدَ قربت

    فاستجمعت ما بقي لديها مِن قوة وقالت للقائدَ فِي هلع ووهن: اعترفت

    اعترفت

    حتي باسماءَ شَركائي

    اسالوني وساجيب بصراحة
    لا اريدَ ان اموت

    ان اموت
    فصمت ابو الهول للحظات مرت بطيئة

    مرعبة
    ثم نطق امرا فِي حسم: انزلوها

    خوفا مِن المطاردة وبداخِل كهف السعرانة
    شرع العقيدَ ابو الهول فِي استجوابها
    ورصت عدة مقاعدَ خشبية علي شََكل نصف دَائرة يتصدرها القائد
    بينما جلست امينة علي الارض بلا قيودَ فِي وَضع القرفصاء
    حيثُ بدات تعترف بقصة سقوطها فِي شَرك الجاسوسية منذُ البِداية

    البِداية الاولي فِي فيينا
    وكَانت خائرة تماما لا تملك الا قول الصدق

    كل الصدق املا فِي النجاة
    وجاءَ فِي ملف استجوابها أنه فِي يوم 12 ايلول "سبتمبر" 1975
    الساعة الواحدة وخمس دَقائق مساء
    اخضعت امينة المفتي للتحقيق
    وكان استجوابها برئاسة العقيدَ ابو الهول
    وباشراف القائدَ محمدَ دَاودَ عودة " ابو دَاود" كَما يلي: اسمك بالكامل

    امينة دَاودَ محمدَ المفتي. جنسيتك

    اردنية. تاريخ ومحل ميلادك

    بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963. والدكتورآة

    مزورة

    فانا لَم اكمل دَراساتي العليا. أين ومتي تم تجنيدك فِي الموسادَ

    أنا لَم اجندَ
    لكنهم هددوني فِي فيينا فِي شَهر مايو 1972
    كَيف
    نُريدَ كُل التفاصيل
    كنت اسعي للحصول علي دَرجة الدكتورآة فِي فيينا
    ولما فشلت فِي ذلِك تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد
    هو فِي الاصل الشقيق الاكبر لصديقتي النمساوية سارة
    وكنا قَدَ ارتبطنا معا بعلاقة حب
    تتزوجين مِن يهودي وانت المسلمة

    كَانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بالحاح مِنه
    ولم اكن اعلم ان ذلِك حراما لانني غَير متدينة
    الم تشكين فِي نواياه وهو يلح فِي الزواج منك

    لا

    مطلقا

    فَهو كَان يحبني جداً ويسعي لاسعادي
    هَل يعرف اهلك فِي الاردن بقصة زواجك مِن يهودي

    لا

    فقدَ عارضوني بشدة عندما اخبرتهم برغبتي فِي الزواج مِن نمساوي
    وكنت قَدَ كذبت عَليهم وادعيت بانه مسلم مِن جذور تركية
    لذلِك

    هربت مَع موشيه الي اسرائيل خوفا مِن ان تطاردني اسرتي
    وما هِي قصة هروبكَما هَذه

    جائني موشيه ذَات يوم وكنا نعيشَ فِي وستندورف قَبلما ننتقل الي فيينا وبيده احدي الصحف المحلية
    وقال لِي تُوجدَ بالصفحة التاسعة حكاية غريبة عَن طبيب ايطالي
    يغتصب مريضاته فِي حجرة العمليات بَعدَ تخديرهن
    ولما قرات الصفحة لفت انتباهي اعلان بارز الي جوارها مباشرة
    كان عَن طلب طيارين عسكريين اوروبيين مِن اليهودَ للهجرة الي اسرائيل
    وكَانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة
    فتكلمت مَع موشيه وناقشت الامر معه لكِنني فوجئت بِه لا يكترث
    فغضبت مِنه لانه يعرف مدي خوفي مِن مطاردات اهلي لي
    وحالات التوتر الَّتِي لا تكف عَن ارهاق اعصابي ليل نهار
    وكلما وجدته كذلِك ازددت الحاحا فِي مناقشة الفكرة معه
    فقبلها بوقت ليس طويل كَان قَدَ حدثني عَن رغبته فِي العمل كطيار مدني باحدي الشركات الكبرى
    وبعدها بايام انتقلنا الي شَقتنا الجديدة بفيينا
    الا انني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة
    وكثيرا ما صحوت مِن نومي هلوعة مضطربة
    واجدني لا اهدا الا بَعدما ابكي بحرقة
    فكان حالي يؤرقه ويضايقه
    ولما وافق علي مناقشة فكرة الهجرة لاسرائيل
    سالني عَن قناعتي فاجبته بان اسرائيل هِي المكان الوحيدَ الَّذِي ساحس فيه بالامان لان اهلي لَن يتوصلوا الي
    فقال أنه يخشي ان يرفضوا طلب الهجرة لانني مسلمة

    واردنية
    فقلت لَه وكيف نضمن الموافقة فقال بان تتهودي

    ولما وافقت اصطحبني الي معبدَ شَيمودت حيثُ تم تعميدي واصبحت يهودية
    قَدَ استدل عَليه هَل كنت تكرهين كونك عربية
    كنت اكره مظاهر التخلف فِي بلادي. هَل عدَم اكتراث موشيه بالاعلان الَّذِي جاءَ بالصحيفة يوحي لك بشيء الان

    ربما كَان يدفعني لان الح أكثر فأكثر

    او أنه كَان يرغب العمل كطيار مدني
    هَل موشيه كَان يهوديا متدينا

    وهل كَان يحب اسرائيل

    لا

    لم يكن متدينا
    فنادرا ما كَان يذهب الي المعبد
    لكنه كَان يحب اسرائيل ويفتخر بتلطف بتفوقها وتقدمها
    وسارة

    كَانت مجنونة باسرائيل
    وتصطاف بها كُل عام. هَل استدعتك جهات امنية فِي فيينا قَبل هجرتكَما لاسرائيل

    لا
    نعم
    اصطحبني ضابطان الي وهل حدث ذلِك فِي اسرائيل

    جهة امنية لا اعرفها فِي تل ابيب
    ماذَا حدث معك هُناك

    برروا لِي حروبهم مَع العرب
    وانهم يدافعون عَن وطنهم ولا يبغون عدوانا علي احد
    وانهم يسعون الي السلام
    هَل اقتنعت

    كنت اقول لَهُم ذلِك

    لكنني لَم اكن مقتنعة بما يقولون
    "كَانت تكذب

    فَهي نسيت عروبتها وتحولت الي يهودية قلبا وقالبا

    "
    كَم مَرة استدعيت لمكتب الامن

    مَرة واحدة

    لكن ضابطا اسمه ابو يعقوب كَان يزورنا دَائما ويجلس معي كثِيرا ليؤكدَ تبريراته
    ما هُو اسمك الرسمي فِي اوارقك الاسرائيلية

    اني

    اني موشيه بيراد. متَى خبرت بسقوط طائرة زوجك موشيه بيرادَ

    فِي 11 ابريل 1972. مِن اخبرك

    ابو يعقوب. هَل قال لك أنه مات

    لا

    اخبرني ان السوريين اسقطوا طائرته
    ولم يعلنوا بَعدَ عَن اسره
    بما يَعني أنه ربما هرب
    هَل طلبوا منك التوجه الي سوريا ولبنان للبحث عنه

    ليس صراحة

    لكنهم اوحوا الي أنه ربما التجا الي أحدَ الكهوف الجبلية بسوريا فِي انتظار النجدة
    او ان احدي المنظمات الفلسطينية المنشقة عَن منظمة التحرير تَحْتفظ بِه سرا للمساومة عَليه
    ولما انباوني بانهم يبحثون عمن يتقصي اخباره
    طلبت مِنهم ان اقوم بنفسي بالمهمة
    وعلي ذلِك سمحوا لِي بمغادرة تل ابيب الي فيينا بجواز سفري الاسرائيلي
    والسفر الي بيروت مِن هُناك كاردنية
    هَل دَربت علي كَيفية تقصي المعلومات للبحث عَن زوجك

    لا

    هم فَقط طلبوا مني الاحتراس والحذر. وكيف جندت بَعدَ ذلِك

    أنا لَم اجندَ

    فقدَ استدعوني الي فيينا وتقابلت مَع ثلاثة اسرائيليين مِن جهاز المخابرات
    اقنعوني بانهم جاءوا لتسهيل اجراءات ارث زوجي والتعويض الَّذِي تقرر له
    صرف تعويض يَعني أنه مات بالفعل
    فعلام كَان سفرك اذن لبيروت

    لَم اكن اعرف ذلِك بالضبط
    لكنهم نصحوني بتقصي اخبار المنظمات الفلسطينية فِي بيروت فقدَ استدل عَليه
    تستدلين عَليه فِي بيروت ام فِي دَمشق

    مِن خِلال المنظمات الفلسطينية فِي بيروت
    ضمانات الولاءَ وكيف تدربت للقيام بتلك المهمة

    لمدة شَهر واربعة ايام فِي فيينا علموني كَيف اكتب الرسائل بالحبر السري
    واظهر الرسائل الواردة الي مِنهم
    واساليب التشفير والتصوير
    وتلقط الاخبار والالتزام بالحس الامني
    وتحميض الافلام والهرب مِن المراقبة
    والتمييز بَين الاسلحة واساليب اثارة المتحدث ليفشي اسراره
    واستقدموا لِي مِن اسرائيل أحدَ الضباط المتخصصين فِي تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والارقام والاسماءَ والصور "الاعتراف بالتجسس واضح جداً هُنا

    "
    اذن كَان المطلوب منك تقصي اخبار الفلسطينيين وليس تقصي اخبار زوجك

    تقصي اخبار الفلسطينيين بغرض تسقط المعلومات مِنهم عَن موشيه
    "وهنا كَانت تحاول المراوغة"
    هَل حددوا لك مهام بعينها

    نعم

    طلبوا مني التحري عَن مقار اقامة القادة الفلسطينيين
    والتغلغل دَاخِل رجال المقاومة لمعرفة اخبارهم
    ماذَا كَانوا يُريدون بالضبط

    كَانوا يُريدون معرفة الطريق الَّتِي يسلكها الفدائيون للتسلل الي اسرائيل
    واعدادهم
    وتدريبهم
    واسلحتهم
    ومواعيدَ هجماتهم المرتقبة
    وكذلِك مخازن الاسلحة والاعاشة
    قلت أنهم هددوك فِي فيينا فِي مايو 1972

    كيف

    قال لِي احدهم انني الآن وحيدة لا حَول لي
    وان المخابرات الاردنية تسعي ورائي
    ولانني اصبحت يهودية ومواطنة اسرائيلية
    فهم سيعملون علي حمايتي مُهما كلفهم الامر
    فكان المطلوب مني ان استغل هويتي الاردنية للسفر الي بيروت حيثُ لَن يشك الفلسطينيون بي
    فوافقت علي التعامل معهم مِن اجل حمايتك ام لانهاءَ موضوع الارث والتعويض

    مِن اجل حمايتي

    فقدَ كنت خائفة مِن المخابرات الاردنية
    "!!" لذلِك تسلمت اربعة الاف دَولار فَقط مِن الموسادَ وتنفقين مِن جيبك كُل تلك المدة
    .




    (!!). أين تدربت علي إستعمال اللاسلكي

    فِي تل ابيب. متَى

    فِي الفترة مِن 20 سبتمبر الي 3 اكتوبر 1973. مِن قام علي تدريبك

    ضابط مهندس اسمه يوسف بن بورات
    هَل 13 يوما تكفي لتدريبك علي إستعمال اللاسلكي

    كَان الجهاز تقنيا متقدما جداً

    وبسيط فِي طريقَة بثه وارساله
    ما سر صفحات المصحف الناقصة

    كَانت تُوجدَ مكأنها اوراق الشفرة. كَيف تعرفت بمارون ومانويل

    عرفتني عَليهما خديجة زهران
    وكيف جندت الثلاثة لمعاونتك

    تعرفت اولا بمانويل ثُم جائني بمارون بَعدَ ذلِك
    . هَل مارسا الجنس معك

    نعم

    وكان ذلِك قَبل ان يعملا معي. هَل نصحك ضباط الموسادَ بذلِك

    لا

    فعلت ذلِك لاضمن ولاءهما لي
    هَل خديجة زهران شَريكة لك منذُ البِداية

    لا

    لم تكُن تعرف بمهمتي الا منذُ فترة وجيزة
    لكنها ساعدتني قَبل ذلِك عَن غَير قصد
    كَم انفقت علي شَركائك الثلاثة مِن اموال

    لا ادري كَم بالضبط
    لكن مارون تسلم مني ما يزيدَ عَن الثلاثة الاف ليرة قَبلما ينضم لي
    تقصدين قَبل ان يكتشف أنه يعمل لصالح الموساد
    وماذَا قدم لك مارون

    عرفني ب علي حسن سلامة
    وجاءني بارقام التليفونات السرية للزعماءَ الفلسطينيين
    كَان يشاركه
    وكان مارون مسؤولا عنه. ومانويل

    وما دَور خديجة معك

    كَانت تمدني ببعض المعلومات الَّتِي تجلبها مِن زوجات الضباط الفلسطينيين مِن المترددات علي محلها
    امرآة بلا وطن هَل طلب منك رجال الموسادَ اغتياله

    لا

    مطلقا
    لم يطلبوا مني ذلِك
    لكنهم امروني ان اوطدَ علاقتي بِه واقوم بتصويره
    وهل فعلت ذلِك

    نعم

    فهم كَانوا يجهلون ملامحه وكانوا يلحون فِي ذلك
    كَم تقاضي منك ابو ناصر

    ابو ناصر

    أنه لا يعرف أي شَيء
    كنا اصدقاءَ فقط. هَل مارس معك الجنس

    ثلاث مرات فَقط ثُم اختفي وعلمت بَعدَ ذلِك أنه سافر للعمل فِي قبرص
    مِن هُم الاجانب الخمسة الَّذِين ضاجعتهم

    أنهم رجال مِن جنسيات مختلفة يعملون للموساد
    وكانوا يجيئون الي ليتسلموا الافلام والخرائط الَّتِي بحوزتي
    هَل تدلينا عَليهم

    أنا لا اعرف اسمائهم الحقيقية
    فهم يتعاملون معي باسماءَ حركية
    ويتصلون بي دَون ان اعرف مكانهم
    واين كَانت تتم لقاءاتكم الجنسية

    فِي شَقتي ببيروت
    هل بينهم عرب

    مغربي قال لِي ان اسمه عازار وكان يعيشَ فِي تطوان
    هَل زرعت اجهزة تنصت بمكتب ياسر عرفات

    كَانوا يفكرون فِي ذلِك عندما كنت باسرائيل

    لكنني لَم افعل
    ما الدور الَّذِي قمت بِه لمحاولة اغتيال القائدَ ابو ايادَ فِي اكتوبر 1973 ابلغت الموسادَ عَن الموقع العسكري الَّذِي كَان يتفقده
    وقدَ كنت احمل يومئذ جهاز اللاسلكي بحقيبتي
    واتابع عَن قرب الطائرات الاسرائيلية وهي تضرب الموقع
    "اجهشت بالبكاء" سيدي ابو الهول

    كنت لَم ازل بَعدَ غبية حمقاء
    اجرمت فِي حق وطني وعروبتي

    وديني
    وارتكبت افظع الجرائم لانني كنت مهددة

    شريرة لا وطن لي
    لقدَ صدقتهم وامنت بما كَانوا يقولونه دَون ان احترز أو افكر

    واتحسس الطريق الصواب
    ولم يكن أمامي سوي الانصياع لاوامرهم خوفا علي حياتي
    فهم زرعوا الخوف بداخلي مِن المخابرات الاردنية

    لا

    بل ومن اجهزة المخابرات العربية كلها الَّتِي تطاردني لتغتالني
    ولم يكن لِي ماوي سوي فِي اسرائيل
    هكذا اوهموني واخافوني

    وكنت مغيبة الوعي لا ادري أين هِي الحقيقة
    او لاي طريق اقاد
    سيدي

    لقدَ كنت امدهم بالمعلومات ليس حبا فِي اسرائيل أو كراهية بالعرب
    بل لاجل ان اضمن وطنا ياويني ويحميني
    بعدما ضيعت نفْسي بغبائي

    ووقعت اسيرة مؤامَرة احبكت اسرائيل حولي شَباكها بمساعدة سارة وموشيه
    "امينة هُنا تحاول كسب عطف المحقق ليس الا"


    كان هَذا ملخصا شَديدا ومختارا لملف استجواب امينة المفتي
    الذي احتَوي علي اعترافات تفصيلية بعملياتها فِي بيروت
    وباسماءَ رؤسائها فِي الموساد
    ودور كُل مِنهم فِي اعدادها وتوجيهها
    وكذلِك عَن دَور اعضاءَ شَبكتها المحليين الثلاثة الَّذِين عاونوها فِي مُهمتها التجسسية
    حيثُ انتهي التحقيق المبدئي معها الَّذِي استمر ستة عشرة ساعة متواصلة
    قبل انتهاءَ المهلة المتفق عَليها بَين ابو ايادَ ووزير الداخلية اللبناني بواحدَ وعشرون ساعة
    وفي صفحة منفصلة بمستهل الملف كتب العقيدَ ابو الهول "الجاسوسة امينة المفتي اخضعت تماما لسيطرة كاملة وقانعة بوجودَ زوجها موشيه حيا
    وانه اقدم علي خداعها قصدا خمة للموساد"
    لسعة الخوف حمل العقيدَ ابو الهول ملف استجواب امينة المفتي الي قائده ابو دَاود
    الذي خطط بمهارة للايقاع بها
    وبدوره وَضع الملف الساخن أمام ياسر عرفات ومساعده الاول ابو ايادَ لتقرير مصيرها

    امتعض ابو ايادَ اسفا وقال: يا لَها مِن امرآة شَريرة
    لم تكتف بما فعلتهبنا فارادت قتلى
    وربت علي كتف رئيس مخابراته علي حسن سلامة وهو يقول: نشكر الله علي انك وفقت فِي كشفها
    فوجودَ حية كهَذه بيننا كَان سيكلفنا الكثير
    اما ياسر عرفات ابو عمار فقدَ علق قائلا: لَن تكف اسرائيل عَن زرع الخونة بَين صفوفنا
    فلا تامنوا كُل متطوع وافد
    ولا تغرنكم حماسة الغرباءَ
    وقبل ان يشرق صباح الثالث عشر مِن سبتمبر 1975
    كَانت هُناك ثلاث سيارات اسعاف تخترق شَوارع بيروت
    بداخِل كُل مِنها خمسة مسلحين اشداءَ مِن رجال المخابرات الفلسطينية رصدَ فِي مُهمة جدَ خطيرة
    تتجه السيارة الاولي الي شَارع الخرطوم حيثُ يقيم مارون الحايك
    وتتجه الثانية الي شَارع اروادَ عِندَ سوق الطويلة حيثُ مانويل عساف اما الثالثة فكَانت تقصدَ منطقة باب ادريس لاعتقال خديجة زهران
    لقدَ استقل المسلحون الخمسة عشر سيارات الاسعاف بغية اتمام مهامهم بسلام
    في وقْت كَانت فيه بيروت اشبه بساحة حرب شَاسعة
    تشتعل بنيران الفتنة الطائفية كُل بقعة فيها
    اذ تحولت بيروت مِن الحب الي الحرب
    وصار وطن الجميع مذبح الجميع
    وامتلا وجه المدينة الجميلة بالندوب والتشوهات والجماعات المسلحة
    الَّتِي بلغ عدَدها ما يزيدَ عَن 39 تنظيما
    ففي بيروت الشرقية يتواجدَ الكتائب
    ونمور الاحرار
    وحراس الارز
    والطاشناق
    والمردة

    الخ وفي بيروت الغربية هُناك المرابطون
    ونسور الثورة
    وحركة التحرير
    وحركة صلاح الدين
    و

    طابور طويل مِن القبضايات المسلحة
    لقدَ بدا ان التعايشَ الطائفي لَم يكن سوي نزاع مستمر وتراكم خفي للاحقاد
    انفجر بشَكل مذهل
    وجري التسابق بَين الطوائف مِن اجل السيطرة السياسية للعائلات الروحية
    واستمر الخلط بَين السياسة والدين فِي ذهنية الفردَ والجماعة
    وتحولت لبنان الي مارونية عِندَ الموارنة
    وشيعية عِندَ الشيعة
    وسنية عِندَ السنة
    ودرزية عِندَ الدروز
    وحتي آخر طائفة صغيرة فِي لبنان
    اما الفلسطينيون

    فقدَ ظلوا بعيدا عَن رحي الحرب الاهلية
    وتشغلهم المقاومة المسلحة ضدَ العدو الصهيوني
    وتنظيم صفوفهم مِن اجل استمرار الكفاح
    والبحث عَن خونة استباحوا اسرارهم وباعوها لليهود
    وعندما وصلت السيارة الاولي لمنزل خديجة زهران
    كَانت هُناك مفاجآة مدهشة تنتظر الرجال الخمسة
    اذ عثروا عندها علي مانويل عساف عاريا فِي فراشها
    لم ينتبه لصوت فَتح الباب بخفة ووقوفهم علي راسه
    بينما كَانت سيدة البيت فِي الحمام
    شغلها انسكاب الماءَ المنهمر علي جسدها فِي البانيو عَن معرفة ما يدور وراءَ الباب
    لقدَ أنهار مانويل لمراي الرجال الخمسة
    وادرك فِي الحال ما جاءوا لاجله
    اما خديحة فقدَ صرخت عندما فوجئت باربعة مِنهم يسحبونها مِن حمامها الدافئ
    ويسترون الجسدَ العاري بشال احدهم
    ويامرونها بارتداءَ ملابسها علي عجل
    انتهز مانويل عساف انشغال الاربعة
    وعرقل زميلهم الخامس وجري مسرعا الي شَباك الغرفة
    وقبل ان يتمكن مِن الامساك بِه قذف بنفسه مِن الطابق الخامس
    ووجدَ بجوار المنزل منكفئا علي بطنه
    يرتدي روبا احمر بلا ازرار

    وجوربا قطنيا !! هكذا ناي بنفسه عَن المصير الَّذِي كَان ينتظره
    اما رفيقة مارون الحايك فقدَ استسلم خائرا وهو يرتجف رعبا وهلعا
    واقتيدَ مَع خديجة زهران الي الجنوب بعيدا عَن الحرب الاهلية
    حيثُ الجوع والعطشَ

    وصراخات الخوف والندم بكهف السعرانة الموحشَ

    الرهيب
    عالم غريب

    غريب انكمشت امينة المفتي فِي ذعر عندما علق رفيقاها فِي الخيانة مارون وخديجة بسقف الكهف علي مقربة مِنها
    تنهال علي جسديهما الكرابيج كالمطر
    فيملا صراخهما جوف الكهف
    ويتموج صداه فِي تداخِل يصم الاذان
    لقدَ كَان تعذيبهما بشدة امرا حتميا لقتل ارادتيهما
    وللناي بهما عَن الكذب والمراوغة عِندَ الاستجواب
    فالمطلوب مِنهما هُو الافصاح عما نقلاه الي امينة مِن معلومات
    والاعتراف علي اخرين تعاونوا معهما
    سواءَ اكان ذلِك عفويا
    ام بنية القصدَ والتعامل باجر
    اما امينة الَّتِي تهتك جسدها بفعل التعذيب
    فقدَ راي القائدَ ابو دَاودَ حرمأنها مِن النوم والطعام
    ومنحها قطرات قلِيلة مِن الماءَ تبلل بها حلقومها المتشقق
    لتعترف خِلال الاستجواب الثاني المفصل
    بكل ما نفته مِن اسرار ومعلومات الي الموساد
    ليتمكن الفلسطينيون مِن تعديل خططهم واستراتيجيتهم علي ضوء ما تم نقله للاسرائيليين
    وكذا

    تحليل نوايا العدو ومقاصده
    فالمتعارف عَليه ان اجهزة المخابرات فِي العالم اجمع
    تعيدَ استجواب الخونة والمنشقين مرات ومرات
    دون الاكتفاءَ بمَرة واحدة
    اذ ان القصدَ مِن ذلِك عصر العملاءَ وتفريغ ما بعقولهم
    اعتمادا علي الارهاق البدني والمعنوي
    فالاستجواب المتكرر يميط اللثام عَن الكثير مِن الاسرار والخبايا
    ويظهر صدق الاعتراف مِن عدمه بتكرار الاجابات نفْسها
    فالعقل البشري مُهما لقن مِن معلومات مكذوبة لَن يستطيع ترديده مرات ومرات دَون خطا
    لكن هُناك حالات شَاذة جداً لجواسيس استطاعوا التماسك
    والاصرار علي صدق ما ادعوه حتّى النهاية
    اشهرهم علي الاطلاق جاسوس الموسادَ فِي القاهرة "وولفجانج لوتز" الَّذِي اعتقل عام 1965 هُو وزوجته واخضع لتعذيب مكثف بما فيه حرمانه مِن الاحساس وبلوغه حدَ الجنون
    لكنه صمدَ واصر علي القول أنه الماني
    ولم تتكتشف حقيقته الا بَعدما عرضت اسرائيل مبادلته باسري مصريين عام 1967
    لقدَ كَان مِن المهم اعادة استجواب امينة المفتي
    خاصة بَعدَ اخضاع اعترافات مارون الحايك وخديجة زهران للتحليل الدقيق
    فَهي عميلة مِن نوع خاص
    درست علم النفس وقرات فِي فروع الفلسفة
    بل وعشقت السوفسطائية ومحاورات سقراط الَّتِي كتبها افلاطون
    وتحفظ مقاطع كاملة مِن محاوره اقريطون
    وضبطت لديها كتب لسارتر
    وديكارت
    وفريدريك نيتشه واخرين غَيرهم

    فكَانت قراءاتها الَّتِي هِي مزيج مِن الثقافات والاتجاهات
    ادآة طيعة للدفاع والتماسك وانتقاءَ الالفاظ
    لكن "ابو دَاود" الَّذِي استعدَ لَها جيدا
    لم يكن ليصدق ابدا بَعدَ ذلك
    ان عميلة الموسادَ المدربة
    والأكثر ثقافة وقدرة علي الاقناع والمحاورة
    استحضرت كُل ما بجعبتها
    وقذفت بِه أمامه دَفعة واحدة
    دون ان تدخر وسعا لاخفاءَ أي شَيء ولو كَان تافها
    ذلِك لانه اجادَ بدراسته لشخصيتها
    واختياره للاسلوب الامثل هُو ورجاله فِي التعامل معها
    الا وهو اسلوب الاقتناص الَّذِي يعرف فِي عالم المخابرات بالمباغتة
    ويعتمدَ علي دَراسة علم الاسباب اعتمادا كليا وهَذا المنحي فِي خطط استجواب الخونة الَّذِي اتبعه ابو دَاودَ ورجاله فِي المخابرات الفلسطينية
    يدل دَلالة قوية علي عمق وعي رجال مخابراتنا العربية
    وقدرتهم الفائقة علي استغلال العلوم النفسية المعقدة فِي عملهم الشاق
    للتعامل مَع شَتي انواع الخونة
    والعملاءَ المهرة الَّذِين تدربوا فِي اكاديمية الموساد
    وبينما كَانت خديجة زهران تدلي باعترافاتها
    تفجرت مفاجآة عجيبة ادهشت ضباط رصد
    عندما وقفوا علي سر سقوطها فِي شَبكة امينة التجسسية
    الحلقة التاسعة نساءَ اوروبا وجاءَ فِي محضر استجواب خديجة زهران اسمك بالكامل

    وعمرك
    . خديجة عبدَ الله زهران 38 عاما جنسيتك
    . اردنية الاصل واحمل هوية لبنانية
    صاحبة محل لوار للملابس فِي بيروت
    كَيف تعرفت بامينة المفتي
    . تعرفت عَليها عندما جاءت لتبتاع ملابس لها
    ومن لهجتها عرفت أنها اردنية مِثلي كَيف توطدت علاقتكما
    . كَانت تزورني دَائما بالمحل وتحولنا الي اصدقاءَ هَل تعرفت مِن خِلالك بالمدعو مارون الحايك
    . لا

    بل بمانويل عساف وهو الَّذِي عرفها بالحايك
    وما سَبب ذلك.. كَانت بحاجة الي تليفون بشقتها
    فطلبت مِن مانويل مساعدتها لانه موظف بالمصلحة هَل كَان مانويل عشيقا لك وقْتها
    . لا

    كَانت زوجته زبونة لمحلي

    و كَان يجيء معها احيانا فتعرفت عَليه
    وكيف تطورت بينكَما العلاقة الي جنس
    . طلبت مني امينة ذلِك لاسكاته عنها
    كَيف ذلك
    . كَان يغار مِن الحايك ويغتاظ لأنها فضلته واتخذته عشيقا
    هَل كنت علي علم بنشاط امينة التجسسي منذُ البداية
    . لا
    .لم اكن اعرف
    .و مانويل هُو الَّذِي اخبرني بذلِك اثناءَ سكره لماذَا لَم تبلغي السلطات الامنية بالامر
    . اردت استغلال امينة ماديا لانني كنت مدينة بمبلغ كبير للبنك
    وكيف حدثت المواجهة بينكما
    . كنا بشقتي عندما فاتحتها بما قاله مانويل
    ولأنها تعلم جيدا بتعثراتي المالية

    انكرت
    واخرجت دَفتر الشيكات واعطتني شَيكا بثلاثة الاف ليرة علي سبيل القرض
    كَم كَانت دَيونك للبنك
    . حوالي ستة عشر الفا
    وهل ثلاثة الاف ليرة تكفي لاسكاتك
    . وعدتني بخمسة الاف اخرى
    وعرضت علي الشراكة دَون الادارة
    قالت امينة انك مارست معها الجنس مرات كثِيرة
    لا

    لا

    هي الَّتِي جرتني لافعل معها ذلِك لكي تضمن سكوتي
    كَيف و لماذا.. قَبلما اطلق مِن زوجي الثاني كنت اشكو لَها عدَم ارتياحي معه
    و ذَات يوم طلبت مني ان ازورها بشقتها
    ولما ذهبت اليها تكلمنا عَن الجنس
    واخذت تغريني بان نفعل معا كَما تفعل النساءَ فِي اوروبا
    و بَعدَ عدة لقاءات فِي شَقتها فوجئت بها تهددني بافلام صورتها لِي معها ومع مارون الحايك
    و طلبت مني ان اعطيها عشرين الف ليرة
    والا فستفضحني أمام زوجي واهلي
    ثُم ماذا
    . قَبلت قدميها ارجوها الا تفعل
    ولما اصرت هددتها بان اخبر السلطات الامنية عما ذكره مانويل
    فسخرت مني وقالت: سافضحك ان لَم تجيئيني بالنقودَ مساءَ اليوم
    لقدَ كَانت تعرف اسرتي
    وتعلم بان والدي واخوي متدينون وسيقتلونني حتما إذا ما راوني فِي تلك الاوضاع المخلة
    و لما عجزت عَن اقناعها طلبت مني ان اعمل معها باجر
    و ان مُهمتي تتلخص فِي مصادقة النساءَ المتزوجات مِن ضباط فلسطينيين
    واستدراجهن للخوض فِي السياسة والاسرار العسكرية
    وهل وافقت هكذا بسهولة
    . لا

    ابتعدت عنها لعدة ايام لافكر
    وكنت علي وشك ابلاغكم لكِنها حاصرتني وهددتني بقسوة
    فاضطررت الي اعلان موافقتي لاسكاتها
    جامبون كَيف بدات العمل معها
    . شَرحت لِي طريقَة التعرف بالنساءَ الفلسطينيات ومصادقتهن
    ومكثت معي بالمحل عدة ايام لتراقبني
    كَم زوجة فلسطينية تعرفت بها.. لست ادري

    ربما أكثر مِن اربع عشرة زوجة
    "يُوجدَ سردَ طويل لاسماءَ ومعلومات مختلفة"
    كَم ليرة حصلت عَليها لقاءَ عملك
    . سبعة الاف
    .او ثمانية
    هَل التقيت باحدَ مِن اعوأنها مِن الاجانب
    . مَرة واحدة
    جاءَ احدهم ليتسلم مظروفا كبيرا تركته امينة
    ماذَا كَان به.. لا ادري

    فقدَ كَان مغلقا بالسوليتيب
    ولم تخبرني امينة عما به
    هَل كَان عربيا
    . لا

    انه اجنبي ولهجته فرنسية
    ماذَا قال لك.. قال لِي كلمة السر المتفق عَليها: جامبون
    "و هُو اسم شَائع يطلق علي لحم فخذ الخنزير المحفوظ"
    وكيف تعرفت عَليه
    . كَان يدخن البايب وله شَارب دَوجلاس اصفر
    وقدَ اخبرتني امينة عَن اوصافه مسبقا
    هَل تعرفين ابو ناصر
    . اعرف زوجته سندس ولم اره ابدا
    كَيف نشات علاقة امينة به
    . جلبت لَها رقم تليفونه فِي صيدا مِن زوجته
    ولماذَا رغبت امينة فِي التعرف اليه
    . لان زوجته اخبرتني الكثير عَن بطولاته وعملياته الفدائية فِي الجنوب
    واهتمت امينة بمصادقته
    متَى اخبرتك امينة بان "ابو ناصر" ضالع معها فِي التجسس
    . لَم تخبرتي عَن ذلك
    وإنما اكدت لِي بان الضابط الفلسطيني "وطني أكثر مِن اللازم"
    هَل صدقتها
    . نعم

    فقدَ كَانت تكرهه
    وتطلب مني دَائما استدراج زوجته فِي الحديث لمعرفة اخباره
    انتهت اعترافات خديجة زهران
    حيثُ ادلت بادق تفاصيل علاقتها بامينة المفتي
    وبزوجات الضباط الفلسطينيين فِي بيروت
    اما مارون الحايك المذعور فقدَ اوضح الكثير عَن ملابسات علاقته بامينة
    وعثر ببيته علي قائمة طويلة تحوي الارقام السرية لتليفونات قادة المنظمات الفلسطينية
    اضافة الي ملف كبير يتضمن خلاصة تجسسه علي تليفوناتهم خِلال فترة اعتقال امينة
    فقدَ كَان يودَ تقديمه لزعيمته عِندَ عودتها لتمنحه الاف الليرات
    وتغرقه فِي بحر النشوة عدة ليال
    اما الشيء العجيب حقا فقدَ وقع بَين ايدي رجال المخابرات الفلسطينية
    وشريط تسجيل اخفاه مارون بجيب سري باحدي الحقائب
    لمحادثة تليفونية كاملة بَين علي حسن سلامة وابو دَاود
    وفيها تفاصيل كثِيرة عَن امينة المفتي المعتقلة انذاك ببيروت
    هَذا الشريط لَم يقم مارون بتفريغه أو الاستماع اليه
    و لَو أنه كَان قَدَ فعل ذلِك لادرك الخطر وهرب بجلده ومعه شَريكاه
    لكنه اعترف بان هَذا الشريط هُو الوحيدَ الَّذِي لَم يفرغ وعندما قام بتسجيله كَان مِنهمكا فِي التنصت علي مكالمة اخري بَين ياسر عرفات ونايف حواتمة
    وبانتهاءَ التحقيق مَع خديجة زهران ومارون سلما الي السلطات اللبنانية لمحاكمتهما
    طبقا لقانون العقوبات الَّذِي عدل فِي 28 يناير 1975
    وجاءت مواده الجنائية مائعة وغير رادعة
    اما امينة المفتي

    فقدَ امتنع الفلسطينيون عَن تسليمها للبنانيين
    حيثُ قرروا لَها مصيرا اخر
    ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية اللبناني لمحكامتها
    و أمام الرفض التام لذلك

    اضطر الوزير لنسيان الامر برمته
    فقدَ كَان يدرك بان هُناك نِهاية ماساوية تنتظر عميلة الموسادَ علي ايدي الفلسطينيين
    وعلي ذلك

    ظلت الجاسوسة العربية مقيدة بكهف السعرانة
    يفتك بها الرعب ويغلفها الهلع..! الموت البطيء وحدها
    انكمشت امينة فِي محبسها بكهف السعرانة تنتظر الموت مَع كُل لحظة
    يحاصرها احساس بالخيبة بَعدما افلت مارون وخديجة مِن براثن الفلسطينيين
    وتولت امر محاكمتهما السلطات اللبنانية أمام محاكمها المختصة
    لقدَ كَانت تدرك عَن قناعة ان زعامتها للشبكة هُو سَبب بقائها بالكهف دَونهما
    وبالتالي فإن مصيرها المجهول بَين ايدي الفلسطينيين سيَكون اشدَ قسوة وشراسة
    لكنه علي اية حال لا يساوي ابدا مَع بشاعة جرمها
    فبرغم اعترافاتها التفصيلية بالتجسس لحساب الموساد
    الا أنها اخفت عنهم الكثير مِن الاسرار
    بالطبع هِي اسرار بالغة الاهمية ستزيدَ ملفها تخمة
    وقطعا سينقلب اعتقادَ الفلسطينيين فِي كونها جاسوسة كَانت ضحية مغامَرة عاطفية
    الي جاسوسة عدوانية تري فِي خيانتها نوعا مِن الانتقام والتشفي
    ذلِك لأنها لَم تنس يوما مدي كراهيتها الشرهة للفلسطينيين
    تلك الكراهية الَّتِي يحملها القوقازيون فِي الاردن لهم
    فَهي شَركسية مِن سلالة هؤلاءَ الَّذِين فروا مِن جبال القوقاز الي الوطن العربي
    وكَانت اسرتها تعمل فِي خدمة الملك حسين
    شأنها فِي ذلِك كشان القوقازيين الَّذِين يعملون فِي جيشه
    واشتبكوا مَع الفلسطينيين فِي حرب ضروس عام 1970
    فاعتبرهم الفلسطينيون اعداءَ لهم
    وهاجموا الاحياءَ الَّتِي يقطنوها فتبادلا الشعور بالكراهية تجاه بَعضهم البعض
    هكذا بدت كراهية امينة للفلسطينيين ذَات جذور
    وهكذا أينعت مشاعرها وهي تهدي اسرائيل معلومات لا تقدر بثمن عَن تحركاتهم ومخازنهم وعملياتهم
    وخلا ملف الاعترافات مِن توصلها لاسرار مخازن الهلال الاحمر الَّتِي يديرها شَقيق ياسر عرفات
    ففي هَذه المخازن كَانت تخبا الاسلحة الخفيفة
    والاسلحة المضادة للصواريخ فِي صناديق المهمات الطبية
    مما جعلها دَائما عرضة للعمليات الجوية الاسرائيلية بناءَ علي وشاياتها.
    و اخفت امينة أيضا سر اختطاف اسرائيل لطائرة الخطوط الجوية اللبنانية "الشرق الاوسط" فِي 10 اغسطس 1973
    واجبارها علي الهبوط فِي تل ابيب فقدَ كَانت هِي الَّتِي ابلغت الموسادَ بوجودَ جورج حبشَ علي متنها
    لكن حبشَ كَان قَدَ اصيب بازمة قلبية مَنعته مِن ركوب الطائرة.
    وقتها

    تاكدَ للفلسطينيين ان هُناك اختراقا اسرائيليا لمنظماتهم
    وجري مسح شَامل لمئات الاشخاص دَون جدوى
    و لَم تكُن امينة فِي ذلِك الوقت قَدَ وقعت فِي دَائرة الشك
    فقدَ كَانت مشبعة بثقة الفلسطينيين
    حيثُ تعمدت الا تظهر عداءَ مبالغا فيه للصهيونية
    وفي مناسبات مختلفة كثِيرا ما عبرت عَن رايها فِي حق اسرائيل فِي امتلاك الارض ايضا
    فابعدَ ذلِك التصرف الشكوك مِن حولها
    فاي عميل اسرائيلي سيبذل ما بوسعه ليبدو عدوا لدودا للصهيونية
    لذا غادرت بيروت فِي حذر فِي جولة تفقدية
    واستطاعت ان تمدَ الموسادَ بصور لمراكب وسفن الصيدَ واللنشات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية
    والراسية بمينائي صيدا وراس شَكا فِي الجنوب والشمال
    والَّتِي كَانت معدة للعمليات الهجومية البحرية
    ومكنت اسرائيل بذلِك مِن تدمير ثلاثين قطعة مِنها فِي عملية انتقامية
    وجاءَ ذلِك بَعدَ هجوم منظمة فَتح البحري علي المدينة الساحلية "نهاريا" عام 1974
    كُل تلك الاسرار جاءت مفصلة بمذكرات امينة المفتي الَّتِي نشرت فِي اسرائيل فيما بَعد
    فاضفت علي جاسوسة الموسادَ هالة مِن الاساطير صعدت بها الي افاق الخوارق
    ونسبت اليها عمليات وهمية مختلفة عَن اكتشافها مؤامَرة لاغتيال السادات بوساطة الليبيين عام 1976
    مهدت الطريق لكامب دَيفيدَ بَين مصر و اسرائيل
    و كَانت امينة وقْتذاك مكبلة بالجنازير الي الحائط دَاخِل كهف السعرانة فِي جنوب لبنان
    تنتظر نهايتها المرتقبة كالموت البطيء
    احلام

    و رصاص وما ان نشرت الصحف اللبنانية نبا القبض علي امينة المفتي وافرادَ شَبكتها
    حتي ارتجت جنبات الموسادَ بشارع كيريا بتل ابيب
    و بدات فِي الحال تخطيطا لاستعادة العميلة الاسطورية
    فتاريخ الموسادَ الطويل يسردَ لنا عشرات القصص الَّتِي انتهت باستردادَ جواسيسها
    الذين اكتشف امرهم وكانوا علي قيدَ الحياة
    ولهَذه القاعدة تبرير منطقي وهو ان انقاذ أي عميل يرفع الروح المعنوية للعملاءَ الاخرين
    ويشجع الرجال والنساءَ علي القيام بعمليات ومهام خطيرة اخرى
    و لان الفلسطينيين يدركون ذلِك جيدا
    راي عرفات ان الابقاءَ علي امينة بكهف السعرانة امر ضروري حتّى يحين الوقت المناسب لتقرير مصيرها النهائي
    نابذا بذلِك رغبة علي حسن سلامة فِي اعدامها
    فقدَ كَانت لعرفات رؤية مستقبلية بعيدة المدى
    تنحصر فِي التريث لبعض الوقت
    ومبادلتها بشخصيات فلسطينية بسجون اسرائيل
    لكن سلامة الَّذِي بدا غَير قانع كَان يري فِي قتلها فوزا اكيدا
    اذ سيصاب عملاءَ اسرائيل فِي لبنان بالذعر
    وبالتالي يسَهل كشف العديدَ مِنهم ان لَم يسارعوا بمغادرة بيروت
    و لما فشل فِي اقناع عرفات بوجهة نظره
    اضطر الي السكوت وكبح اندفاعة الشباب عنده
    و بذلِك ظلت امينة حبيسة الكهف الجبلي
    ترسخ فِي قيودَ الذل دَون محاكمة
    او بصيص مِن امل فِي النجاة
    و فِي ذَات الوقت الَّذِي ادين فيه مارون الحايك بالحبس ثلاثة اعوام
    وبعام واحدَ لرفيقته خديجة زهران "راقب معي ميوعة الحكم فِي قانون العقوبات اللبناني
    .!!" نسجت امينة المفتي خيوط شَبكتها حَول أحدَ حراسها
    واوهمته بأنها بريئة مما نسب اليها
    وان الفلسطينيين فعلوا بها ذلِك نكاية فِي عمها الَّذِي يشغل منصبا حساسا فِي البلاط الملكي الاردني
    حيثُ تصور لَهُم أنه كَان أحدَ المحرضين لمذابح ايلول الاسود
    وبعدَ عدة اشهر فِي مايو 1976 كَان غسان الغزاوي قَدَ اقترب كثِيرا مِن امينة
    وتعاطف مَع محنتها الي الحدَ الَّذِي دَعاه للتفكير فِي تخليصها مِن السجن
    وان استدعي مِنه ذلِك الهرب بها الي اسرائيل
    لقدَ انقلبت نوبتجيته فِي الحراسة الي جلسة غرام تصطخب بالمشاعر والامنيات
    فكَانت امينة تمنحه جرعات متصاعدة مِن الاشواق واللهفة
    تطيح بعقله وتعبث بِه الي دَنيا جديدة مِن اوهام التمني
    و لانه نجار خائب لا يجيدَ صنعته
    عاشَ سني حياته الثلاثين فِي حالة حرب دَائمة مَع الحيآة بحثا عَن عيشة رغدة مريحة
    لكن هيهات ان يراها كسول مِثله
    اوقف خبرته عِندَ حدَ معين لَم يستطيع تجاوزه
    فتقهقرت ارادته وانزوي منسيا بَين جدران جحره الرطب بمخيم الرشيدية فِي صور
    يجرع الجوع والياس ناقما علي حظه وعلي الدنيا كلها
    ان فاشلا مِثله استعبده الفقر والجهل السَهل جداً اغواؤه والسيطرة عَليه ماديا أو عاطفيا
    فَهو فِي الاصل لا يُمكن ان يَكون مؤمنا بقضيته أو مستوعبا لرسالة الكفاح مِن اجلها
    ذلِك لانه ارجع فشله الي كُل تلك الظروف الَّتِي تحيط بِه وبشعبه
    و وطن نفْسه علي أنه مجردَ ضحية لا ذنب لَه لكي يعيشَ معدما شَريدا
    يفتقدَ ابسط مظاهر الحيآة واقلها ترفا
    هكذا قراته امينة وتخللت اليه فِي سهولة ما ايسرها علي متخصصة فِي علم النفس مِثلها
    واغوته بمكذوب العواطف تصبها صبا فِي اذنيه
    فاذابته تماما وهو المحروم اللاهث خَلف الاحلام
    وترقب عَن كثب انسكاب مقاومته الخائرة
    واستفحال رغبته فِي تخليصها املا فِي حيآة هنيئة باسرائيل
    فكَانت هِي بذلِك أول عميلة للموسادَ علي الاطلاق
    تجندَ حارسها فِي السجن للفرار بها الي خارِج حدودَ الدولة
    و جاءَ بمذكراتها فيما بَعدَ أنها كَانت تنوي النجآة بنفسها فقط
    وتركه علي الحدودَ يواجه مصيره وحده مَع الفلسطينيين
    حيثُ ستحال الاساطير فِي اسرائيل عَن قصة هروبها العبقرية
    لكن خابت احلامها فِي المجدَ والتكريم
    وخابت احلامه أيضا فِي الثراءَ والنعيم
    عندما افضي بسره الي أحدَ رفقاءَ فقره فِي المخيم
    فابلغ السلطات الفلسطينية عنه وتمت مراقبته
    وضبط وهو يحاول ادخال بزة عسكرية الي الكهف لترتديها امينة اثناءَ الهرب
    و انتهت احلام الخائن برصاصات اخترقت صدره فِي اكتوبر 1976
    وبتضعيف القيودَ الحديدية بايدي الخائنة ورجليها
    وشدها الي الحائط مصلوبة وباقل قدر مِن الطعام والشراب
    الي ان تقيحت اطرافها المختنقة بالقيود
    وعمل معول الهزال بجسدها كَما يعمل معول النحات الماهر بمادته الصخرية
    فعاشت ذابلة كالموتي لا يميزها عنهم سوي ارتعاشة الاطراف
    وزوغان حدقتين لا تبصران الا الخوف والظلام.. اقصي دَرجات الامن مرت خمس سنوات منذُ اعتقلت امينة المفتي
    وفي نوفمبر مِن عام 1979 تحديدا
    نشطت تحركات الصليب الاحمر الدولي
    وتكثفت الاتصالات مَع الفلسطينيين مِن اجل مبادلتها
    و كَان العرض الاسرائيلي هزيلا قياسا بجواسيس اخرين
    فقدَ ابدوا رغبتهم فِي مبادلتها بفلسطيني واحد
    شريطة الا يَكون متهما بقتل اسرائيليين مِن المدنيين أو الجنود
    فرفض عرفات العرض الاسرائيلي
    واشترط لمبادلتها الافراج عَن اثنين مِن اشهر الفدائيين الفلسطينيين بمعتقل عتليت
    وهما: محمدَ مهدي بسيسو المولودَ عام 1941 فِي غزة والمحكوم عَليه بالمؤبدَ لقيامه بعملية فدائية بواسطة زورق عام 1971, واسفرت عَن مقتل واصابة عدَدَ كبير مِن الاسرائيليين
    و وليم نصار المولودَ عام 1942 فِي القدس
    والمحكوم عَليه بالمؤبدَ أيضا لقتله ثلاثة اسرائيليين عام 1968 بالقدس
    لكِن الردَ الفلسطيني قوبل بتعنت اسرائيلي شَديد
    واسر ممثل الصليب الاحمر لعرفات بان امينة لا تساوي شَيئا عِندَ الاسرائيليين
    فهم يصنفونها علي أنها مجردَ خائنة لوطنها
    باعت دَينها واهلها مِن اجل نزوة
    ومن المستحيل ان تخلص تماما لاسرائيل أو تدين بها بالولاء
    و ذكره الممثل الدولي بما حدث للمهندس السويسري الفريدَ فرانكشت الَّذِي ادين بالسجن ثماني سنوات عام 1971
    عندما تبين أنه امدَ اسرائيل بَعدة اطنان مِن تصميمات الطائرات الفرنسية ميراج 3
    بعدَ تجنيده لاسباب ايديولوجية تتعلق بعقدة الذنب
    وعندما افرج عنه بَعدَ اربع سنوات ونصف السنة
    قرر السفر لاسرائيل لحضور الاحتفال بانتاج الطائرة "كافير" النموذج المعدل مِن الميراج 3 فرفضت الموسادَ ان تدفع ثمن تذكرته مِن سويسرا
    وقوبل فِي اسرائيل بتجاهل تام
    وشعر أنه تعرض للنسيان والتخلي عنه
    ذلِك ان مُهمته انتهت ولم يعدَ ذا شَان
    لكن عرفات لَم يابه لذلك
    و لَم يتراجع قيدَ انملة عَن مطلبه
    وصرح لممثل الصليب الدولي أنه يتعرض لضغوط شَديدة للموافقة علي اعدام امينة المفتي
    و أنه طالما ترفض اسرائيل الاستجابة و المرونة
    فقدَ يوافق علي اعدامها أمام شَاشات التليفزيون لتَكون عبرة لكُل مِن يفكر فِي التعامل مَع الموساد
    و عندها
    اصيب رئيس الموسادَ اسحاق حوفي 1974 1982 وكبار مساعديه بالذعر
    فاعدام امينة علي الملا أمام العدسات امر خطير مِن شَانه اصابة جواسيس الموسادَ فِي البلادَ العربية بالهلع وبالشلل
    وقدَ يتسَبب فِي تعطيل عمل شَبكات عملائها المذعورين الَّتِي انفق عَليها ملايين الدولارات
    مما يهددَ تدفق سيل المعلومات الحيوية الَّتِي تعتمدَ عَليها اسرائيل
    سياسيا
    وعسكريا
    واقتصاديا
    وكان قرار اسحاق حوفي النهائي تلبية مطلب الفلسطينيين علي ان يترك لمنظمة الصليب الاحمر العالمية حرية اختيار الدولة الَّتِي ستتم عملية المبادلة علي ارضها وتحت حمايتها
    بما يضمن الحيلولة دَون وقوع كارثة قَدَ يفكر بها الفلسطينييون
    وعلي ذلك

    نشطت المنظمة العالمية فِي اتصالاتها
    ورفضت حكومة ايطاليا واليونان وبلغاريا وفرنسا التدخل
    بينما وافقت حكومة تركيا ورومانيا وقبرص علي تامين الحماية التامة للطرفين فَوق اراضيها وفي اجوائها
    وتعهدت جميعا بتوفير اقصي دَرجات الامن لاتمام عملية المبادلة بسلام
    من جانبها اعلنت منظمة التحرير الفلسطينية ترحيبها واختيارها لدولة قبرص
    واعلنت اسرائيل موافقتها علي قبرص ايضا
    شريطة تدخل ممثل عَن الامم المتحدة لضمان الامن
    فاغضب الشرط الاسرائيلي القبارصة الَّذِين اعتبروه "عدَم ثقة" فِي قدراتهم علي تحمل المسؤولية كاملة
    لكن السفير الاسرائيلي فِي قبرص تقدم باعتذاره فِي الاول مِن فبراير 1980 و ابدي ثقته فِي السلطات القبرصية مشيدا بالعلاقات الحميمة بَين البلدين و بالمصالح المشتركة بينهما
    ولم يمض سوي يوم واحدَ حتّى اعلن وزير الداخلية القبرصي
    بانه قَدَ تحددَ يوم 13 فبراير 1980 موعدا لعملية التبادل علي ارض مطار لارنكا الدولي
    وإغلاق المطار أمام الملاحة الدولية ابتداءَ مِن الساعة 14:00 حتّى الساعة 2:50 !! قراءة سريعة تخضع عمليات تبادل الجواسيس أو الاسري بَين الدول لقياسات معقدة
    تحددها الملابسات السياسية وظروف العلاقات بَين الدول فِي حالات السلم
    وتَكون أكثر تعقيدا فِي حالات الحرب والتناحر
    وقدَ شَهدت المنطقة العربية حالات تبادل عديدة وفريدة مَع اسرائيل
    كان ابطالها جواسيس عباقرة وعسكريون
    حيثُ جري التبادل احيانا فِي سرية تامة وتعتيم اعلامي
    واحيانا اخري صاحبه ضجيج الاعلام علي الملا
    واشهر عمليات التبادل كَانت بَعدَ نكسة يونيو 1967 عندما تمت مقايضة الجاسوس الصهيوني ولفجانج لوتز بَعدَدَ ضخم مِن العسكريين المصريين الاسرى
    و قَدَ ادعت اسرائيل فيما بَعدَ ان ثمن لوتز كَان خمسة الاف اسير مصري
    رغبة فِي الدعاية لجواسيسها واعلاءَ لشانهم
    اما جاسوسة الموسادَ المصرية انشراح علي موسي الَّتِي ادينت بالاعدام شَنقا هِي وزوجها ابراهيم سعيدَ شَاهين في25 11 \1974
    فقدَ امر السادات بمبادلتها فِي صفقة سرية بمصريين وعرب فِي اسرائيل
    كان وراءها هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي وذلِك قَبل زيارة السادات لتل ابيب
    في مداعبة سياسية مقصودة للتمهيدَ لمعاهدة السلام فِي كامب دَايفيد
    اما الاشهر علي الاطلاق فِي عمليات التبادل الفاشلة

    والعلنية
    فكَانت لمقايضة ايلي كوهين كامل امين ثابت سيدَ جواسيس الموسادَ فِي سوريا
    واسطورة الموسادَ الَّذِي لَم يخلفه أحدَ عبقرية وذكاء
    حيثُ رفضت سوريا وساطات أكثر مِن 84 رئيس دَولة ومنظمة عالمية للافراج عنه
    مقابل ملايين الدولارات ومئات الاسري السوريين فِي معتقلات اسرائيل
    ونفذ فيه حكم الاعدام شَنقا أمام عدسات التليفزيون علي الهواءَ مباشرة فِي 18 مايو 1965
    وابقي جثمانه معلقا هكذا لاربعة ايام فَوق المشنقة الَّتِي اعدت لَه خصيصا بساحة المرجة فِي دَمشق
    و فِي 21 فبراير 1973 وقعت حادثة لَم تتكرر ابدا مِن قَبل
    عندما حاولت اسرائيل اختطاف الطائرة الَّتِي تقل عميلة الموسادَ هبة عبدَ الرحمن سليم عامر
    الَّتِي استدرجت مِن باريس الي بني غازي بواسطة المخابرات المصرية
    و طارت بها الطائرة الي القاهرة لمحاكمتها
    لقدَ عمدت الموسادَ الي التشويشَ علي اجهزة الطائرة الملاحية ففقدت اتجاهها
    و عندما اكتشف الطيار أنه يطير فَوق سيناءَ اتجه باقصي سرعته ناحية القناة
    متجاهلا اصرار طائرات الجو الاسرائيلية علي الهبوط بطائرته فِي اسرائيل
    فيفقدَ الاسرائيليون صوابهم ويفجرون الطائرة بركابها فِي الجو
    معتقدين بانهم قتلوا عميلتهم قَبلما تعترف
    لكن صدموا بشدة عندما اكتشفوا بانهم اسقطوا الطائرة الليبية البوينج 747 بطريق الخطا وان طائرة هبة سليم الحقيقية استخدمت ممرا جويا غَير معلوم
    تلك لمحات مختصرة عَن اشهر قصص عمليات المبادلات والعروض والقتل
    الَّتِي وقعت احداثها بَين مصر وسوريا واسرائيل
    و لَم تكُن هُناك سابقة واحدة لعملية تبادل بَين الاسرائيليين والفلسطينيين
    لذلك

    كَانت الاعصاب متوترة ومجهدة
    فاسرائيل تخشي غدر الفلسطينيين بهم علي ارض مطار لارنكا
    ويشهدَ تاريخهم الطويل فِي الكفاح وخطف الطائرات علي أنهم رجال ذوو باس

    واصرار

    اما الفلسطينيون

    فقدَ وَضعوا تاريخ اسرائيل الدموي نصب اعينهم

    و توقعوا مذبحة بشعة ستدور احداثها فِي قبرص
    الدور الطاهر فِي المكتب الفرعي لمنظمة التحرير الفلسطينية فِي صيدا
    اجتمع المدير بالضابط الفلسطيني الموفدَ مِن الرئاسة فِي بيروت
    حيثُ اطلعه علي تفاصيل حيآة امينة المفتي فِي محبسها الانفرادي بكهف السعرانة وكان الضابط يصغي اليه باهتمام ليستكمل النقاط الَّتِي يُريدها فمهمته كخبير فِي الشؤون المعنوية تتطلب مِنه ذلِك خاصة

    و الوقت يمضي سريعا بَعدما وافقت المنظمة علي الموعدَ المحددَ فِي لارناكا
    و بَعدَ الاجتماع انطلقت السيارة الجيب العسكرية تقل الضابط الي كهف السعرانة
    كَان الطريق المتعرج الضيق قَدَ نحتت اجزاءَ مِنه مِن الجبل
    فيستقيم منحدرا احيانا ثُم يلتوي فجآة فِي صعودَ والتفاف حَول الجبل
    و مِن بعيد

    بدا الكهف الموحشَ كنقطة سوداءَ فِي بطن الجبل السامق
    وكلما اقتربت السيارة شَوهدَ جنودَ الحراسة المشددة باسلحتهم الاوتوماتيكية فِي حالة التاهب
    وكَانت الاكمنة المتحركة تزيدَ الامر حساسية واهتماما
    حتي يخال للبعض ان بالمنطقة مفاعلا نوويا سريا
    و عندما دَلف الضابط الي الكهف
    كَانت الاضاءة القوية تكشف دَهليز الفوهة وتظهر ملامح الوحشة وغموض الطبيعة
    و فِي نِهاية أحدَ الممرات

    تكورت كومة مِن عظام

    شدت اطرافها الاربعة بالجنازير
    اقترب مِنها الضابط متفحصا
    فرمقته بنظرات تفيض رعبا

    لكن وجهه الهادئ سكن بَعض الخوف لديها
    وحاولت ان تستقرئ ما جاءَ لاجله ففشلت

    و تملكها الف هاجس وهاجس

    و اطرقت الي الارض ثُم همدت انفاسها قلِيلا وقالت فِي صوت خفيض كَانه جاءَ مِن قرار: هَل حان وقْت الاعدام
    . اقترب مِنها الضابط أكثر واكثر
    لكي تصلها كُل كلماته وقال: سنطلق سراحك بَعدَ ايام

    و ستعودين الي اسرائيل مَرة اخرى
    ارتعدت اطرافها المقيدة فارتج بدنها كله
    وجحظت عيناها الغائرتان فِي تحفز لما يقوله الضابط الَّذِي اردف: بَعدَ عشرة ايام مِن الآن ستكونين حرة فِي اسرائيل
    ويَجب ان تكوني علي يقين مِن اننا لَم نعاقبك ولم نؤذك بقدر ما اذيتنا
    فنحن اناس مسالمون سعدنا بوجودك ذَات يوم بيننا
    ووثقنا بك بلا حدودَ علي اعتبار انك عربية

    مخلصة
    وعن حب فَتحنا لك قلوبنا

    وكل ابوابنا الموصدة فِي وجه الاخرين
    وما تطرق الينا الشك فتسببت بفعلتك فِي مقتل عشرات الابرياءَ مِن شَبابنا

    و انخلعت علي يدك قلوب امهات ثكالى

    فقدت الابن والزوج

    و البسمة
    أنهمرت دَموع امينة المفتي
    ولم يدر الضابط اهي دَموع الحسرة والندم
    ام أنها دَموع الفرح بنجاتها
    واكمل الضابط: هَذه الارض الَّتِي أنت عَليها الآن سيدتي ارض عربية
    وتلك الارض الَّتِي ولدت فَوق ترابها ارض عربية
    وكذلِك الارض الَّتِي بعت دَينك و وطنك واهلك لاجلها

    ايضا

    عربية
    عربية مغتصبة

    سليبة
    ستعودَ حتما ذَات يوم لاصحابها
    ربما يتحقق ذلِك بَعدَ جيل

    او جيلين

    او ثلاثة
    او أقل مِن ذلِك بكثير.
    و نحن هُنا الآن لنجاهدَ بدماءَ ابنائنا
    ولن نكف عَن الجهادَ حتّى نموت دَونها

    و انت

    ما جئت الي هُنا سيدتي الا لقتلنا دَونما ذنب بحقك اقترفناه
    فلا تظنين ان الارض الَّتِي ستعودين اليها سترحب بك

    لكن تاكدي ان فِي القدس وحيفا ويافا وبيت لحم ونابلس

    في كُل فلسطين ستبصق عليك الارض مَع كُل خطوة
    حتي وان مت فستلفظك قرفا فِي قبرك

    وسيابي دَودها الطاهر ان يرعي بجثمانك

    وعندها

    ازدادَ نحيبها قسوة

    و علا نشيجها مَع صعودَ صدرها الضامر وهبوطه
    وانعقدَ لسأنها فلم تقو علي الكلام لاصطكاك اسنانها
    ورعشة شَفتيها الَّتِي غزت الوجه المتقلص الشاحب
    و قال الضابط امرا جنوده قَبلما ينصرف: فكوا قيودَ ضيفتنا وقدموا لَها الشراب واشهي الطعام
    الحلقة العاشرة والاخيرة الستائر الحريرية اهزيمة ساحقة ام انتصار باهر

    تساءلت امينة فِي نفْسها وتعجبت للاحساس المائع المشوه الَّذِي يخالجها فِي ضراوة
    وظلت لايام تترنج لصدي كلمات الضابط الَّتِي تنخر فِي عظامها وعقلها
    فلا تجدَ سوي مرارا خفيا كَانه دَبيب نمل يسري باوصالها
    هكذا اقتلعت مشاعرها مِن الجذور
    وغرقت فِي سهوم قاتل يفتك باعصابها ويزلزل جوانب ادراكها الباطن والظاهر
    تقول امينة فِي مذكراتها بَعدَ ذلك: كَانت كلمات الضابط كالسهام تخترق عقلي وجسدي

    فاصابت اتزاني وطوحت بامالي واوهامي

    واغرقتني فِي محيط يموج بالغموض وينبض بالخوف

    والعدم
    واوشكت ان اصرخ فيه ان يرحمني ويصمت

    فيوقف رشق سهامه باعضائي الَّتِي وهنت

    ونزحت عنها مسحة القوة
    لكنه كَان كمدفع رشاشَ اخرج كُل رصاصاته فِي زخة واحدة
    تري

    لماذَا جيء بِه الي

    الكي يشعرني بحقارتي وجرمي

    ام ليوقظ بداخلي احاسيس دَفنت مِن زمن

    كُل ما اذكره وقْتها انني فقدت رسالَّتِي الَّتِي خلقت لاجلها

    وهي انني لَم اعدَ اصلح لان اكون اما
    فكيف لامرآة مِثلي حبلي بالخيانة ان ترضع طفلها وتحتويه
    بينما هِي تقتل الاطفال والشباب
    وتموت امهاتهم حزنا عَليهم واسا

    اكنت اذن واهمة الي حدَ فقدان العقل والتمييز

    اكنت اصارع طواحين الهواءَ كَما كَان يفعل دَون كيشوت

    أين أنت الآن يا امي لافردَ ذراعاي حَول عنقك والتصق بصدرك الدافئ الحنون

    أين أنت يا ابي لتنتشلني مِن مصيبتي وتنير لِي الطريق بالنصح كَما كنت تفعل ايام طفولتي وشبابي

    أين هُم اخوتي وكانوا لِي ظلالا وارفة تحميني مِن لسعة الحيآة ومدب السيل الجارف

    أين شَقيقاتي وخالاتي وعماتي

    أين ستائر حجرتي الحريرية ومراتي

    تري اتضم امي الآن اشيائي وتلعنني اما أنها تبكي لماساتي

    لَم يبق لِي مِن شَيء سوي صمت كالموات يقتلني

    ودمعاتي
    .؟" عجيبة حقا تلك المرآة المثيرة
    فلعلكُم لاحظتم مِثلي مدي تمكنها وبراعتها فِي وصف ادق خلجات ذاتها باسلوب مشوق رائع
    حتي انني كثِيرا ما كنت اقف مندهشا أمام سطور مذكراتها
    وامام قدرتها الفائقة علي تشريح انفعالاتها بلا تصنع
    متنقلا معها فِي راحة مِن موقف الي موقف اخر
    وحيرني سؤال ظل يترددَ بخاطري طوالي عملي بملفها: هَل اسبغت عَليها البراعة فِي التجسس براعة اخري فِي الوصف والتحليل

    ربما يَكون ذلِك

    فالعمل التجسسي لا يقُوم الا علي اليقظة الشديدة والحرص والدقة
    والكتابة أيضا لكي تدخل الي القلب وتحرك المشاعر تلزمها اليقظة فِي سردَ الفكرة
    والحرص علي خط التصعيدَ الدرامي المترابط دَون ملل
    والدقة فِي الوصف وتقريب التخيل الي نبض الواقع فِي سردَ الفكرة
    كَما انني لاحظت أيضا فِي مذكرات امينة أنها تضج بالحيوية وانسكاب المشاعر
    وتندفع بها فِي احيان كثِيرة كَما فِي نِهاية الفقرة السابقة الي السجع الموسيقي القريب مِن اوزان الشعر
    فلو أنها اتجهت الي الكتابة لكَانت الآن اديبة قديرة

    لكن

    هكذا فعلت بنفسها
    الانفاس اللاهثة وفي صباح التاسع مِن فبراير 1980
    نقلت امينة المفتي فِي سرية تامة الي معسكر جنوبي صيدا
    وفي المساءَ تَحْت ستر الظلام اخذت الي بيروت
    تحيط بسيارتها العسكرية عدة سيارات اخري تقل قوات مسلحة
    حيثُ اودعت حجرة مريحة باحدَ مباني منظمة التحرير بحي الفكهاني
    يحرسها افرادَ لا حصر لَهُم مدججون بالسلاح
    وعن ذلِك اليَوم جاءَ بمذكراتها وصفا دَقيقا لاحداثه اذ تقول: "دخلت كهف السعرانة لاول مَرة فِي الظلام
    وغادرته نهار ذلِك اليَوم فِي الظلام أيضا

    فقدَ عصبوا عيني خشية اصابتي بالعمي

    عندما اواجه ضوء الشمس المبهر فجاة
    بعدَ 1651 يوما فِي الظلام

    يا لَهُم مِن اناس طيبي القلب رائعين
    ارادوني صحيحة النظر لاري الفارق الواضح بَين الوجوه عندما اغادرهم
    وفي بيروت ادخلتني فتاتان نظيفتان الي الحمام
    واستحممت لاول مَرة منذُ اعتقالي استحماما كاملا
    ونمت مغمآة بينهما ومكبلة باحزمة رقيقة مِن الجلد
    واكلت اطعمة شَهية حرمت مِنها لسنوات وكنت اطلبها بنفسي فيجيئونني بها
    وامام هَذا الكرم الرائع طمعت فيما هُو أكثر
    فصارحت الضابط المنوط بحراستي بامنية غالية الي نفْسي
    وهي ان احادث امي تليفونيا فِي عمان
    ولما اخبرني الضابط بان طلبي رفض بحسم
    حسوت الحزن ياسا
    وايقنت بانني لَن اسمع صوتها ابدا

    طالما كنت فِي اسرائيل

    !!" لحظتئذ فَقط

    احست امينة المفتي بندم شَديد
    فخروجها مِن لبنان الي اسرائيل هُو بحق موت بطيء لا محالة
    فالاسرائيليون سيرفضون بقوة سفرها لاي مكان اخر
    وذلِك لان صورها نشرت بمعظم صحف العالم
    اذ قَدَ يصادفها فلسطيني فيقتلها غضبا ونارا
    ولن يستطيع الاسرائيليون علي كُل حال حراستها حراسة تامة خارِج الدولة
    لقدَ فكرت امينة فِي حالها وحياتها باسرائيل فيما بَعد
    ورات ان كهف السعرانة كَان لَها السجن المؤقت قَبل الاعدام
    لكن اسرائيل ستَكون الي الابدَ السجن المرير
    الذي سيقتلها فيه الندم والعذاب والحسرة والقلق والاكتئاب
    اذن فالموت السريع فِي لبنان لاهون الف مَرة

    بل أنه الخلاص مِن ثورات دَاخِلية ستفتك بها وتقودها غصبا عنها الي حافة الجنون
    لذلِك صرخت قرب منتصف الليل وملا صراخها المبني كله وهي تقول: "لا اريدَ العودة الي اسرائيل

    لا اريدَ اسرائيل"
    هجمت عَليها الفتاتان قَبلما تتقطع الاربطة الجلدية
    واندفع الي حجرتها علي الفور عدَدَ كبير مِن الضباط والجنود
    شرعوا فِي الحال فِي تضعيف قيودها
    وكان جسدها النحيل ينتفض بعنف وشراسة
    كان قوة جبارة حلت بِه بَعدَ ضعف وهداة
    وقال لَها أحدَ الضباط: فلتهدئي مِن فضلك

    فكل شَيء اعدَ لسفرك الي اسرائيل
    وبذَات القوة والعصبية والصراخ قالت: اعدموني هُنا

    او ارجعوني الي كهف السعرانة

    انا اكره اسرائيل

    اكرهها

    اجابها الضابط فِي هدوء: اسرائيل هِي وطنك الآن سيدتي
    وكإنما تشدَ جذور اعصابها مِن اشواك الخوف قالت فِي هلع: الاعدام اهون

    لماذَا لَم تعدموني

    اتخافون مِن اسرائيل

    ردَ الضابط فِي ثقة: نحن اقوي مِن اسرائيل

    لذلِك ارسلتك للتجسس علينا
    نعم

    تجسست عليكم

    فلماذَا تعيدونني الي اعدائكم

    وبينما كَان الطبيب يدخل مسرعا الي الحجرة ممسكا بيده محقن المخدر كَان الضابط يجيب: نحن نبادل امرآة خائنة برجلين مِن ابطالنا البواسل
    بصقت امينة فِي الهواءَ وانطلقت كالمدفع قائلة: نعم أنا خائنة

    وساخونكم الف مَرة لَو اتيحت لِي الفرصة

    فهيا تخلصوا مني واعدموني "والتهديدَ بالخيانة هُنا يَعني قمة الندم"


    وعندها

    انقض جنديان علي ذراعها يحبسان حركته
    وامكن للطبيب افراغ المخدر بوريدها
    وكان صراخها الحادَ المسعور ترتج مِنه حوائط المكان

    وما هِي الي هنيهة حتّى بدا يضعف

    ثم يخفت

    حتي هدا تماما

    تماما
    وسكن
    وانهمدَ الجسدَ الممددَ فِي استكانة
    وما عادَ يسمع سوي صدي لانفاس لاهثة
    اغنية القدس وفي الثالثة وعشر دَقائق مساءَ يوم 13 فبراير 1980 مغمآة بكيس اسودَ طويل وشبه مخدرة
    اقتيدت امينة المفتي مكبلة الي الملف فِي سيارة مصفحة الي المطار
    تحاصرها عدة سيارات عسكرية ذَات انواع مختلفة
    والي جوار سلم طائرة خطوط الشرق الاوسط بوينج 737 انزلت بهدوء وسَط حشدَ مِن الجنود
    وتابط ذراعها ضابطان فلسطينيان سحباها الي دَاخِل الطائرة
    الَّتِي اغلقت ابوابها فِي الحال واخذت عجلاتها تنهشَ اسفلت الممر
    وبداخلها أحدَ عشر ضابطا فلسطينيا واحدَ ممثلي منظمة الصليب الاحمر الدولي
    حيثُ كَان وجهتها ناحية الشمال

    الي انقرة
    خشية اعتراضها بواسطة طائرات سلاح الجو الاسرائيلي
    ومن هُناك

    تعودَ بركابها مِن جديدَ الي الجنوب مَرة اخري

    الي حيثُ تُوجدَ جزيرة قبرص فِي عرض البحر المتوسط
    تشير باصبعها فِي اسي ناحية الاسكندرية
    تلك الارض العربية الخصبة الَّتِي استلبها الاتراك منا
    وفي الطائرة

    انزوت امينة علي أحدَ المقاعدَ لا نملك مِن امرها شَيئا

    لم تكُن تبك أو تنتحب
    ولم يلاحظ أحدَ مِن مرافقيها قسمات وجهها المستتر وقدَ كساه اصفرار الموت
    او سيل الدمع المنهمر فِي هدوء وصمت
    لكن فجآة سمع لَها نشيج بدا واهنا فِي البداية
    ثم تحَول شَيئا فشيئا الي عويل متصل فبكاءَ يشبه العواءَ

    ولما اشعل الضابط الجالس الي جوارها سيجارته قال لَها وهو ينفث دَخانه الكثيف: ااشغل لك واحدة

    صمتت للحظة ثُم اجابت: ما نوعها

    اجابها الضابط فِي اكتراث: تونسية

    اسمها "سفاير الصفاء"
    قالت فِي تردد: الا يدخن احدكم المارلبورو ردَ الضابط فِي حسم: نحن نكره الامريكان وبضائعهم

    اتعرف ماذَا تعني كلمة مارلبورو

    دَهشَ الضابط لسؤالها واجاب: نعم

    أنها تتَكون مِن الحورف الاولي لعبارة انجليزية تقول الرجل دَائما يتذكر الحب لان
    .
    قاطعته وهي تقول اشعل لِي سجارة مِن فضلك
    فَتحسس الرجل باصبعه موضع فمها
    واخذت تسحب الدخان فِي نهم حتّى امتلا بِه الكيس مِن الداخِل فسعلت وقالت فِي تافف كفى: وانتبهت العقول لصوت حادَ يردد: قسما بمن *

    خلق السماءَ بلا عمدَ

    قسما بايام الطفولة والرجولة

    والكهولة والتنسك والصلآة

    صلآة يوم الاربعاءَ

    قسما بِكُل الميتين بلا كفن

    سيردَ ابناءَ الزنآة لنا الثمن

    اغلي ثمن

    قسما بقدس صوته المجروح

    يحفر فِي السحابة والابدَ

    قسما برب الابرياءَ

    وبكل اودية الدماء

    سنذودَ عَن قدس الاحبة

    عن تراب الانبياءَ

    يا ايها القمر المسافر فِي حدائق مقلتي

    يا نخلة

    طرحت نبيا

    من نبي

    من نبي

    سنزودَ عَن يافا

    وغزة

    والتراب المرمري

    حيثُ يرقدَ فِي الدجي

    عطر

    رقيق

    مريمي

    غدا سترجع كالعروس

    يزفها صوت الحلي
    الحشدَ والتربص وداخِل الطائرة اللبنانية البوينج 737 تكومت امينة المفتي علي مقعدها تنتحب فِي اسى
    بينما انشغل الضباط الفلسطينيون عنها بدراسة خطوات عملية التبادل الَّتِي شَرحها لَهُم ممثل الصليب الاحمر
    وفي الساعة الخامسة والنصف مساءَ كَانت الطائرة تحلق فَوق مطار لارناكا القبرصي
    تنتظر الاذن بالهبوط
    ولارناكا مدينة عريقة الملامح بها القلعة التركية ومتحف صغير ومدافع قديمة
    ويموج الشارع الرئيسي بها بوجوه السائحين مِن مختلف الجنسيات
    ومطارها هُو المطار الرئيسي للجزيرة بَعدَ ان فقدت نيقوسيا مطارها الدولي الَّذِي اصبح مَع خط التقسيم ضمن الحدودَ التركية
    وقبرص منذُ القدم وطوال الحروب الصليبية كَانت دَائما مصدر خطر دَائم علي ارض فلسطين ومصر وسوريا
    فقدَ كَانت محطة دَائمة لكُل طوائف المرتزقة والباحثين عَن المجد
    وحاول مماليك مصر أكثر مِن مَرة غزو الجزيرة فلم ينجحوا
    ولكن العثمانيين
    فعلوها عام 1570 واقتحموا لارناكا واستولوا علي الجزيرة باكملها
    وخلال الحرب العالمية الثانية تحولت قبرص الي ساحة لكُل العمليات الحربية الموجهة لمصر وفلسطين
    واصبحت فيما بَعدَ مركزا استراتيجيا لكُل انواع الاستخبارات العالمية الاميركية والسوفيتية والانجليزية والمصرية والاسرائيلية وفي حواريها الضيقة وقراها الجبلية دَارت كُل انواع المؤامرات مِن الاغتيالات الي الانقلابات الي الصفقات المشبوهة
    لقدَ كَان يوم 13 فبراير 1980 هُو بحق يوما عصيبا فِي قبرص
    فالحيآة بدت شَبه متوقفة
    وجحيم مِن القلق يخيم علي الوجوه ويعم علي اجهزة الدولة الَّتِي تحملت عبء اتمام عملية المبادلة فَوق اراضيها دَون الوقوع فِي ادني خطا قَدَ يتسَبب فِي كارثة تشوه وجه الجزيرة الامن وتسيئ الي حكومتها أمام المحافل الدولية
    لذلِك

    اتخذ وزير الداخلية كُل التدابير الامنية اللازمة
    وفق خطة رسمت باحكام
    بحيثُ تتم العملية بهدوء وبمظهر مشرف وتحت اشرافه هُو شَخصيا
    فحاصرت المطار مِن الخارِج عشرات مِن مركبات المدرعات والدبابات
    الي جانب اعدادَ حاشدة مِن قوات الامن تقف علي اهبة الاستعداد
    وبدا المنظر العام كَانه حشدَ لحرب مرتقبة
    وتربص بَعدو غاشم ينوي غزو الجزيرة
    اما قوات العمليات الخاصة فقدَ امتلات بها النوافذ واسطح مباني المطار تحمل بنادق تلسكوبية رشاشة
    وكان الوضع فِي الداخِل اشدَ تعقيدا وسخونة
    فقدَ جري اخلاءَ المطار مِن السواتر الرملية والاكشاك
    وكل ما يُمكن استخدامه كساتر مِن النيران لاي عملية عسكرية أو فدائية محتملة
    واخرجت جميع السيارات الَّتِي تتبع خطوط الطيران العالمية
    وكذلِك شَاحنات الماءَ والوقودَ وسلالم الصعود
    كَما ابعدت أيضا الطائرات الرابضة علي ارض المطار عَن المكان الَّذِي خصص لوقوف الطائرة الاسرائيلية
    وانتظر أكثر مِن الف وخمسمائة جندي مسلح
    هم جميعا مِن جنودَ المظلات والصاعقة والعمليات الخاصة المدربة تدريبا عاليا علي الالتحام المباشر والاقتحام فِي حالات كوارث خطف الطائرات والسفن
    واتخذ وزير الداخلية مِن برج المراقبة بالمطار مركز للاشراف علي الموقع ككل واصدار اوامَره لقواته
    ساقتله

    ساقتله وعندما حلقت الطائرة بامينة المفتي مرتين فَوق المطار اذن بها بالهبوط
    وبعدَ دَقائق قلِيلة كَانت تقف علي الممر فاتجهت اليها مسرعة عدة سيارات عسكرية ومدرعة واحدة
    واحاط بها رجال الكوماندوز مِن كُل جانب
    عندئذ تلقي الطيار اللبناني امرا بفَتح باب الطائرة الايسر الامامي
    فصعدَ السلم فِي الحال ممثل الصليب الاحمر ومعه ثلاثة ضباط قبارصة بلباسهم المدني
    كَانت امينة ترتدي بنطلونا مِن الجينز الازرق وبلوفر احمر مِن الصوف ذي رقبة عالية
    وكَانت ما تزال مكبلة الي الخلف ومغمآة عندما اقترب مِنها ممثل الصليب الاحمر
    فكشف عَن وجهها واخذ يقلب بصره عدة مرات بينها وبين صورة لَها كَانت بيده
    وبعدما تاكدَ مِن شَخصيتها اوما للضباط الثلاثة فتاكدوا مِن احكام قيدها
    وجذبوها بلطف مغمآة الي باب الطائرة
    بينما تثاقلت خطواتها وارتفع صوت نحيبها المتواصل بلا انقطاع
    ولما عجزت ساقاها عَن حملها
    انحني أحدَ الضباط فِي مواجهتها ورفعها رفعا الي كتفه ونزل بها الي حيثُ تقف المدرعة اسفل السلم مباشرة
    فدفع بها الي ا]دي الَّتِي امتدت مِن الداخل
    وانطلقت المدرعة فِي سرعة قصوي الي احدي حظائر الطائرات
    الَّتِي تحرسها اثنتا عشرة مدرعة ومائة وسبعون مظليا
    اما الضباط الفلسطينيون فقدَ سلموا للقبارصة رشاشاتهم الكلاشينكوف
    واخذوا مَع طاقم الطائرة الي احدي القاعات الداخلية بالمطار المشددة الحراسة
    وكان علي الجميع حبس انفاسه لمدة ساعة وربع الساعة
    في انتظار هبوط الطائرة الاسرائيلية العال الَّتِي كَانت ما تزال رابضة علي ارض مطار اللدَ الاسرائيلي
    وجاهزة للاقلاع فورا بالاسيرين حال التاكدَ مِن وصول امينة المفتي الي قبرص
    لقدَ كَان للفارق الزمني بَين هبوط الطائرتين دَلالات امنية محسوبة جيدا وبعمق شَديد
    وهَذا الامر كَان قَدَ تم الاتفاق عَليه مَع الطرفين
    والغرض مِنه طمانتهما علي توافر مساحة امان تخدم هدفيهما
    خاصة

    وتلك أول عملية تبادل تتم بينهما علي الاطلاق
    وكان أحدَ طرفيها جاسوس اسرائيلي "في 14 مارس 1979 بادلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبشَ جندي اسرائيلي اسمه ابراهام عمراي اسرته لجبهة بَعدَ ان ضل طريقَة بالقرب مِن صور بستة وسبعين فلسطينيا كَانوا بمعتقل عتليت
    استقرت امينة المفتي بداخِل المدرعة القبرصية لا تملك ارادتها
    وبدت كالتائهة وسَط بحر متلاطم
    تصرخ بصوت حادَ مبحوح احيانا

    وينساب نحيبها متحشرجا احيانا اخرى
    لقدَ انقضت عَليها مشاعر متباينة حطمت ثباتها واعصابها الَّتِي كَانت مِن قَبل مِن فولاذ
    واخذ جسدها النحيل يهتز فِي اضطراب وانفعال
    فاسترسلت فِي تشجنات الاسي المرير والخوف
    وطلبت كثِيرا مِن القبارصة حل عصابتها وقيودها فرفضوا
    فقذفتهم بوابل مِن حمم السباب وقنعت فِي النِهاية بما هِي عَليه وتصف لنا امينة المفتي فِي مذكراتها تلك الدقائق العصيبة مِن حياتها فتقول: وبينما كنت بالمدرعة القبرصية انتظر وصول الاسرائيليين

    عصفت بي الشكوك والافكار

    وفكرت فِي موشيه
    تري

    هل حقيقة ما يزال حيا
    . هَل ينتظرني بشوق مادا ذراعيه بلهفة حبلي بالحب

    ام أنه مات بالفعل وقبر بَين حطام طائرته الَّتِي اسقطها السوريون

    وماذَا لَو أنه كَان حيا

    هَل ساقتله هَل سانهشَ بطنه باظافري واسناني لقاءَ خداعه لي

    يا الهي ايمكن لموشيه الحنون ان يتامر ضدي أنا ابعدما بعت دَيني ووطني واهلي لاجله يبيَعني

    كَيف سيشرح لِي الامر ويضغط علي مشاعري لاصفح

    لَن يستطيع التخلل الي مِن جديدَ ولو ركع أمامي

    لن امنحه فرصة واحدة يظهر لِي فيها ضعفه وندمه

    وكيف اصفح وكهف السعرانة موشم علي جسدي
    ومحفور بخلايا عقلي واوردتي

    ومربوط بساعدي
    .كيف

    كيف بالله اصفح واهلي يمشون منكسي الراس خزيا

    لَن اضعف بَعدَ اليَوم ابدا أمام عواطفي

    وساقتله

    نعم

    ساقتله بالسم

    بالرصاص

    بالحرق

    بدم الحيض

    عندي الف حل لقتله اما فيما لَو أنه كَان ميتا بالفعل

    فسازرع عمري زهورا علي قبره

    ان كَان لَه قبر

    ! ابتسامة الظفر وفي الساعة 18.55 كَانت الطائرة الاسرائيلية تقف علي ارض مطار لارناكا
    في المكان المخصص لَها تماما علي بَعدَ كيلو متر واحدَ مِن المدرعة الَّتِي تقل امينة المفتي وبعدَ عشرة دَقائق اذن لقائدها بفَتح ابوابها
    كَانت لحظات عصيبة حقا وطويلة كالدهر
    اذ تتابعت الانفاس ودقت الصدور عندما انفَتح باب الطائرة
    وبدلا مِن ان يقفز مِنها فريق الكوماندوز الاسرائيلي المعروف باسم "النخبة" أو السايريت ماتاكال اطل مندوب الصليب الاحمر الدولي ومن خَلفه ظهر ضابط مخابرات اسرائيلي بلباس مدني
    وعِندَ نقطة محددة بمنتصف المسافة بَين الطائرة والمدرعة
    كان ينتظر مندوب الصليب الاحمر الاخر
    تصافح المندوبان وتحدثا لعدة ثوان
    ثم اتجها بالضابط الاسرائيلي الي المدرعة
    هَذا

    في الوقت الَّذِي احيطت فِي الطائرة باربعة مدرعات مسلحة
    وبأكثر مِن مائة جندي مِن قوات العمليات الخاصة تلمس اصابعهم زنادَ بنادقهم الالية فِي حذر ويقظة
    اضافة الي مئات البنادق الرشاشة الاخري الَّتِي صوبت باتجاه الطائرة مِن النوافذ وعلي الاسطح المجاورة
    وعندما دَخل الضابط الاسرائيلي الي المدرعة
    كشف عَن وجه امينة الشاحب واخرج مِن جيبه صورة لَها وقال مبتسما فِي اطمئنان: لا عليك يا سيدتي

    ستعودين الي اسرائيل أكثر رونقا

    وبهاء
    اجهشت امينة بالبكاءَ وقالت فِي لهفة: هَل جاءَ موشيه معكم

    اجاب الضابط بدهشة: موشيه مِن سيدتي

    جحظت عيناها فِي هلع ثُم قطبت جبينها وهي تقول: الا تعرف زوجي موشيه بيرادَ

    ازدادَ دَهشة الضابط الاسرائيلي واجابها علي الفور: اوه

    الحديث هُنا غَير مناسب يا عزيزتي

    وعما قلِيل ستعرفين اجابات كُل ما بعقلك مِن تساؤلات
    قالت فِي فزع: ارجوك

    اخبرني فَقط أين موشيه

    اجاب دَون تردد: سيَكون اللقاءَ حارا فِي اسرائيل
    هكذا قذف بِكُلمات لا تحمل اجابة محددة وغادر الي المدرعة مسرعا
    وترك امينة تضرب اخماسا فِي اسداس لا تعرف ماذَا يقصدَ بالضبط
    اما الضابط فقدَ ادرك مِن سؤالها مدي براعة الخدعة الكبري الَّتِي رسمها لَها الفلسطينيون
    وما سوفَ يؤدي اليه مِن تمزقات بعقل المسكينة البائسة
    وبعدما خطا عدة خطوات بعيدا عَن المدرعة

    رفع يده ملوحا فِي اشارة لزملائه بالطائرة

    الذين كَانوا يتابعونه بنظارات الميدان فِي قلق
    وعِندَ منتصف المسافة تماما بَين الطائرة والمدرعة وقف برفقة مندوب الصليب الاحمر

    بينما اتجه المندوب الاخر الي عربة عسكرية تقل ضابطا فلسطينيا

    انطلقت بهما علي عجل الي الطائرة وقبلما يترجلان أمام السلم المشددَ الحراسة
    كان الاسيران يقفان بالباب اعلي السلم حليقا الراس

    يرتدي كُل مِنهما بنطلونا بنيا وجاكتا بنيا أيضا مبطنا بالفرو

    وعلي وجهيهما تبدو ابتسامة عريضة مؤججة بالفرح والظفر
    فلما تعرف عَليهما الضابط الفلسطيني

    لوح بيده الي مندوب الصليب الاحمر الواقف بمنتصف الطريق ينتظر اشارته
    وعِندَ ذلِك

    استقل الضابط الفلسطيني العربة العسكرية الي دَاخِل المطار

    لتبدا عملية المبادلة بَعدَ دَقيقتين ونصف
    غيمة الامل وفي ذَات الوقت الَّذِي انزل فيه الاسيران بمصاحبة المندوب الدولي
    انزلت امينة المفتي مَع زميله الاخر ايضا
    وجميعهم مشوا بهدوء يزفر بالقلق الي المنتصف
    حيثُ يقف الضابط الاسرائيلي بمفرده
    وعندما اجتمع الستة عِندَ نقطة التقاءَ واحدة
    اتجهت امينة المفتي مَع الضابط الاسرائيلي الي الطائرة واتجه الاسيران الي صالة المطار يلوحان بعلامة النصر فِي زهو
    ثم وقفا فجآة ونزعا كُل ملابسهما الاسرائيلية
    وبقيا لدقائق بالشورت الابيض يهتفان فِي حماس ونشوة قَبلما يدلفا المبنى
    اما امينة المفتي

    او اني موشيه فكَانت تمشي وقدَ فكت عصابتها وقيودها كمن يمشي الي غرفة الاعدام ووصف لنا المشهدَ المثير ضابط قبرصي

    وهو الميجور فنداكوس كوستريدس فقال: "كَانت تلك اللحظات أكثر مِن عصيبة
    فما كنت اشاهده عَن قرب امر مثير لَم اره مِن قَبل

    ولم تر قبرص شَبيها بِه علي مدار تاريخها
    لقدَ كَانت المرآة التعسة اني موشيه ترتجف فِي ذعر وهي بطريقها الي الطائرة الاسرائيلية
    وكَانت تجر ساقيها المرتعشتين المتكاسلتين فِي وهن وهي تتلفت خائرة الي ما حولها

    وتسحب انفاس سيجارتها بعصبية واضطراب وكأنها تقادَ الي الموت"
    وفي مذكراتها كتبت امينة المفتي تقول: "لم اكن اسكر مِن قَبل لدرجة فقدان الاتزان عندما كنت اشرب الويسكي بشراهة

    ولم يحدث يوما ان سقطت مترنحة بفعل الخمر

    لكن يومها

    احسست باننين كمن شَرب برميلا كاملا مِن الخمر الاسكتلندي المعتق

    فلا عقل لدي وقْتذاك يعي ما يدور حولي

    وما كنت لاستطيع باية حالة ان امشي بضع خطوات وحدي دَون ان يتابط المرافق الاسرائيلي ذراعي
    فثمة عجز شَديدَ يمنعني عَن جر ساقي

    وكالمحمومة كَان جسدي كله ينتفض

    ويرتعدَ

    يا لَها مِن لحظات مريرة خلتها تمر كالدهر مبلدة بالخوف والالم
    كل ما اذكره لحظتئذ انني فكرت بامي الحزينة ووالدي المصدوم

    واستحضرت صورتيهما بخيالي ويا ليتني ما فعلت

    فما رايته كَان ابشع مِن كُل تصور

    ويفوق كُل وصف وتخيل
    ولما صرخت بصوت مسموع احتضنني المرافق وهو يقول: تمالكي سيدتي

    بضع خطوات ونصل الي الطائرة
    فانحبس صراخي هلعا وانا اتذكر اللقاءَ المجهول الَّذِي ينتظرني

    وتساءلت فِي نفْسي: تري اهو لقاءَ موشيه ام لقاءَ بوجوه جامدة خالية مِن المشاعر

    وقبلما نصل الي السلم انسكب بعمري ندم قاس اخذ يكبر بداخلي ويستفحل

    ندم يندفع كالطوفان يحرق اعصابي وشراييني

    وتجمعت بعقلي فِي لحظة كُل صور الطيشَ الَّتِي جرفتني فِي النِهاية الي هُنا

    الي مصير مظلم ونِهاية مفجهة كئيبة لفتآة عربية مسلمة

    فقدت العقل والطريق والوطن والدين والاهل

    والحنان والامن
    فالتفت ورائي لعلني المح وجه فدائي عربي جاءَ لينقذني

    ويختطفني الي أي مكان آخر غَير اسرائيل

    لكن الجنودَ القبارصة كَانوا كالجرادَ يححبون الرؤية ويزرعون المكان
    نسيت وقْتها حقدي ورغبتي فِي الانتقام مِن موشيه الخائن
    .
    كيف لامرآة محطمة مِثلي ان تنتقم

    نسيت حتّى ايماني بكراهية الفلسطينيين والعرب

    وتضرعت الي الله ان اعودَ ثانية الي وطني

    الاردن

    او اظل كَما كنت مكبلة مقهورة بكهف السعرانة الرائع الجميل

    وافقت عندما مست يدي سلم الطائرة

    فتسمرت ساقاي عَن الحركة

    وصرخت بِكُل ما امسك مِن قوة: انقذني يا الله

    اغثني يا عرفات

    ادع لِي يا امي

    لكن صوت محركات الطائرة طغي علي صوتي وصراخي

    وعندها سحبتني عدة اذرع الي الداخِل

    وتملكني شَعور مقيت بانني اسحب الي قبري

    فاستسلمت غصبا عني ورحت فِي نوبة بكاءَ هستيرية تصلب لَها فكي

    ولم اتوقف عَن البكاءَ حتّى وانا اغادر الطائرة فِي اسرائيل
    أي عذاب هَذا الَّذِي كابدته تلك المرآة لحظة تفجر بداخلها الندم

    واي افاقة عبرت بضميرها الغافل بحر الظلام

    واي تحَول اشعل بصيرتها هكذا فجاة

    ان عشرات الصفحات مِن مذكراتها الَّتِي تبكي سطورها ندما اعجزتني ولجمت قلمي عَن وصف انفعالاتها وتفاعلاتها الَّتِي جاءت فِي دَفقة شَعورية صادقة

    تفيض بسحابات الاسي وبكائيات الشعور والندم

    وترسم صورا ما اروعها عَن الوحشة والتامة والضياع والحنين

    وانفلات ادني غييمة امل قَدَ تلوح مِن بعيد
    المصير المظلم فِي جنح الظلام

    وعِندَ الساعة 20.15 بَعدَ ثلاثة واربعين دَقيقة استغرقتها عملية المبادلة

    غادرت الطائرة الاسرائيلية مطار لارناكا الي تل ابيب تحمل علي متنها اقذر جاسوسة عربية استقطبتها الموساد
    ومع طلوع الشمس أقلعت طائرة خطوط الشرق الاوسط الي بيروت
    حيثُ كَان ياسر عرفات فِي شَرف استقبال البطلين العائدين
    وبرفقته نخبة مِن القيادات وكبار الضباط
    تملؤهم اهازيج الفرح ونشوة الانتصار
    وعلي العكْس مِن ذلِك

    كَانت الوجوه بمطار اللدَ تَحْت الكشافات المبهرة

    أكثر قلقا وتوترا

    ودراماتيكية
    واصدر علي غَير العادة قائدَ سلاح الجو الاسرائيلي اوامَره بخروج سرب مِن الميراج 3 الي عرض البحر لمرافقة الطائرة القادمة الي قبرص
    حال دَخولها المجال الجوي
    هكذا فعلت اسرائيل أيضا قَبل سنوات مَع الجاسوسة المصرية هبة عبدَ الرحمن سليم عامر
    لاضفاءَ الصبغة الاحتفالية الرسمية علي مراسم استقبالها كصديقة
    ولاسباغ هالة مِن الفخر تشعر الزائرة بمدي أهميتها
    لكن الامر وان بدا لامينة المفتي مجردَ احتفاءَ بها لا أكثر
    كان فِي الحقيقة احتراز وتخوف مِن طائرات الميج 23 السورية: الَّتِي قَدَ تقدم علي خطفها فَوق البحر المتوسط فِي غارة جوية فجائية غَير متوقعة

    وما كَان ذلِك فِي حقيقته الا الحرص الزائدَ لدي الاسرائيليين
    نتيجة عامل الشك المتعاظم فِي نوايا السوريين
    قَبلها

    قالت هبة سليم فِي مذكراتها: "احسست يومها بانني ملكة متوجة

    فعندما اقتربت الطائرة مِن المجال الجوي الاسرائيلي

    لاحظت ان طائرتين حربيتين رافقتا طائرتي كحرس شَرف وتحية لِي

    وهَذه مراسم تكريمية لا تقدم ابدا الا لرؤساءَ وملوك الدول

    حيثُ تَقوم الطائرات المقاتلة بمرافقة طائرة الضيف حتّى مطار الوصول

    وفوجئت باستقبال ضخم فِي المطار يضم ايسير هاريل رئيس الموسادَ ونخبة مِن كبار الضباط بينهم مايك هاراري الاسطورة

    فتملكني شَعور بالزهو لا استطيع وصفه

    ووجدت بمدخل مكتب جولدا مائير صفا مِن عشرة جنرالات ادوا لِي التحية العسكرية

    وقدمتني اليهم رئيسة الوزراءَ قائلة: "ان هَذه الانسة قدمت لاسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم لَها جميعا مجتمعين"
    وبعدها

    قالت امينة المفتي فِي مذكراتها: "ومن خِلال زجاج نافذتي لمحت الطائرات الحربية تحوم حولنا

    وللوهلة الاولي خلتها طائرات عربية جاءت لتعيدني مِن جديدَ الي لبنان

    فابتهجت

    وكدت اصرخ فرحا

    لكنني صدمت بعنف عندما رايت شَبح نجمة دَاودَ السداسية علي مقربة مني
    فانطفا الامل الاخير بداخلي

    وانطفات معه كُل شَعاعات النور فِي حياتي

    ولم يغزوني ذلِك الشعور الجميل بالزهو

    انه الشعور الرائع الَّذِي سيطر ذَات يوم علي مجامع هبة سليم

    عندما كَانت تعيشَ اروع لحظات حياتها فِي وهم البطولة

    والثقة

    وهي تنظر فِي خيلاءَ الي الطائرات الَّتِي تنطلق فِي استقبالها

    لقدَ تفجرت لديها وقْتئذ ينابيع الغرور

    وما افاقت مِن حلمها الا لحظة الاعدام

    لحظة النِهاية الَّتِي اراحتها الي الابدَ مِن العذاب والقهر والندم
    .فماذَا عَن نهايتي أنا

    واي مصير مظلم يتربص بي

    اعتقدَ بان حظها كَان اطيب مني

    ذلِك لانني حكمت علي نفْسي ان اموت موتا بطيئا

    داخِل مجتمع غريب لَن اذوب يوما فِي نسيجه

    !!" الغصن الظامئ 335 كيلومترا تقريبا قطعتها الطائرة الاسرائيلية مِن قبرص الي تل ابيب فِي نصف الساعة

    كَانت امينة المفتي اثناءها تدور فِي دَوامة شَرسة مِن الافكار والمخاوف
    ويتواصل باعماقها شَجن مسعور يطفو الي حلقومها كالحصرم يفيض اسفا وندما
    وما ان حطت بها الطائرة فِي مطار اللدَ حتّى راته أمامها مبتسما

    انه ايربيل اشيتوف الضابط المنوط بها طوال وجودها فِي لبنان

    لقدَ صعدَ الي الطائرة قَبلما تتحرك امينة فِي مقعدها

    احتضنها فِي ودَ بالغ وهو يربت علي كتفها قائلا: اني

    ايتها العزيزة العبقرية

    مرحبا بك فِي وطنك اسرائيل
    اجابته وهي ما تزال تنتحب فِي صوت متقطع
    كَانوا سيقتلونني

    قاطعها اشيتوف مستنكرا: مستحيل

    لم يكن بمقدورهم فعل ذلِك علي الاطلاق

    الم اؤكدَ لك مِن قَبل اننا لَن نتخلي عنك ابدا وسنحميك تَحْت احلك الظروف

    قالت فِي نبرة تفيض بالعتاب: سنوات طويلة وانتم لا تفعلون شَيئا
    غمر صوته فيض مِن حنان زائف واجابها: كَيف

    لقدَ كنا نتباحث معهم

    وتدخل العديدَ مِن اصدقائنا لاخراجك

    ولو اننا كنا نعلم بمكانك لاختطفك رجالنا بسهولة

    لكن فشلنا فِي العثور عليك

    وها أنت الآن بيننا
    اشتدَ نحيبها المرير واردف اشيتوف: نحن نثق تماما فِي مدي اخلاصك
    .ونقدر بِكُل عمق خدماتك العظيمة

    وسوفَ تعيشين هُنا فِي امان واطمئنان

    ففاجاته قائلة: أين موشيه

    بهت ضابط الموسادَ وغمغم فِي دَهشة: سيدتي

    انا لا افهم

    ماذَا تقصدين بالضبط

    بصوت مبحوح يموج بالاسي كررت سؤالها وعيناها معلقتان علي شَفتيه: أين زوجي موشيه برادَ

    وبدهشة اكبر اجابها: موشيه

    زوجك

    ايتها المسكينة

    ماذَا فعل بك هؤلاءَ الاوغادَ فِي لبنان

    ولما قرات عيناها اجابته صرخت بعنف وحدة غَير مصدقة: لا تكذب يا اشيتوف

    هم اكدوا لِي بانه اسر فِي سوريا

    ورايت صوره بنفسي فِي الصحف

    فلماذَا تكذب

    هه

    اما زلتم تتامرون علي كَما تامرتم مِن قَبل

    ان موشيه هُنا

    حي

    لم يمت

    جئني بِه ليشاهدَ اثار غدره ونذالته علي جسدي ووجهي

    دعني اراه ايها الوغدَ القذر

    يا اقذر مِن الجيف لا تخدعني أكثر مِن ذلك
    وبينما يمسح اشيتوف بصقتها الَّتِي افترشت وجهه

    انقضت عَليه باظافرها واسنأنها فِي شَراسة
    .وتدافعت فِي غليان يفور بالغضب تبطشَ بالجميع

    لا يكادَ صراخها المجنون يخفت حتّى ينطلق حادا مِن جديدَ

    وما اشبهها فِي تلك اللحظة بحيوان مصاب هائج احكم الصيادون حصاره

    وبرغم اصابته وعجزه فَهو يقاوم

    مقاومة المذبوح الَّذِي فيه بقية مِن روح
    اخذت امينة محطمة صاغرة الي عيادة خاصة دَاخِل مبني الموسادَ بشارع كيريا

    حيثُ اخضعت لرعاية طبية مكثفة بدنيا ونفسيا

    الي ان افاقت تماما الي واقعها المرير

    والي حقيقة كون زوجها موشيه ما يزال مفقودا ولم يعثر لَه علي اثر

    وان الفلسطينيين استطاعوا بذكاءَ شَديدَ خداعها فِي لعبة مخابراتية بارعة

    لكنها فِي النِهاية ادركت حجْم ماساتها وخسارتها

    ومدي الجرم الَّذِي ارتكبته فِي حق نفْسها

    وفي الاستجواب المطول الَّذِي تعرضت لَه فِي اسرائيل

    لم تستطع ان تنكر احساساتها بالندم
    .واعلنت أمام مستجوبينها بأنها كَانت غبية حمقاءَ عندما احبت موشيه وتزوجته

    وحقيرة جداً وهي تتجسس علي الفلسطينيين وتقتلهم بيدها

    لكن ما جدوي ذلِك بَعدما حدث ما حدث
    . وبعدما ايقنت ان لا مكان لَها فَوق سطح الارض سوي فِي اسرائيل

    أنها ضريبة الخيانة الَّتِي لا بدَ لكُل خائن جبان ان يتذوقها

    فلتذق فِي مامِنها لسع الحسرة ينهشَ كبدها ليل نهار

    ولتحرقها فِي ضراوة براكين الندم الي ان يذبل عودها

    وتتقشب كالغصن الظامئ بفلآة قاسية

    ملحية

    جرداءَ

    ! بحر بلا مرفا انتهت مسؤولية الموسادَ تجاه امينة بوصولها الي اسرائيل واستجوابها
    .ومنحها ستين الف شَيكل مكافآة !!)
    وتولت مِن بَعدها سلطات الامن الداخلي "الشين بيت" حمايتها وتوفير سبل العيشَ لها
    وكَانت الخطوة الاولي هِي تغيير محل اقامتها فِي ريشون لتسيون الي مستوطنة كريات يام شَمالي حيفا

    حيثُ منحت مسكنا مستقلا بشارع هابحيفيم هرتسليا

    تستطيع مِن شَرفته مشاهدة البحر

    وتمييز جنسيات السفن فِي حركة دَخولها الي ميناه حيفا أو مغادرته

    هكذا قبعت امينة المفتي 41 عاما تجتر الذكريات وتكتب قصة حياتها وخيانتها بتفصيل دَقيق

    متجاهلة رونا ايزاك ضابطة الامن المرافقة لها
    وما ان مرت اشهر قلِيلة

    حتي تجرات واتصلت تليفونيا بشقيقتها الوحيدة المقيمة بروما مَع زوجها

    وباختصار شَديدَ ننقل بَعض ما كتبته عَن ذلِك الاتصال اذ تقول: كنت اسعي لاتنسم روائح اهلي ووطني

    وكان المذياع هُو سلواي الوحيدة

    وتليفون اختي فاطمة فِي روما الَّذِي سقطت مني بَعض ارقامه
    وبعدَ مئات المحاولات الخاطئة سمعت صوتها
    فرقص فؤادي طربا

    وانتعشت حياتي برواءَ لذيذ ما ابهاه واجمله

    وهتفت فيها: يا اختاه
    .انه انا

    اختك امينة

    فصمتت طويلا ثُم قالت بصوت مختنق: أنا لا اعرف ان لِي اختا

    كَانت لِي يوما ما اختا ماتت

    وعاليا

    عاليا جداً صرخت: ماتت واختفت مِن ذاكرتي
    احتبس لردها صوتي وشل لساني

    وعاودت مهاتفتها مرات ومرات وكنت اتضرع اليها لتسمعني بلا فائدة

    حتي استبدلت رقم هاتفها باخر وفقدت بذلِك سماع صوتها

    وخيم الاسي علي عمري وانزرع بخفاتي
    ."
    عاشت امينة بَعدَ تلك الحادثة حيآة مضطربة

    حاولت قدر استطاعتها ان تستكين وتهدا لكِنها كَانت اضعف مِن ان تقاوم أو تصمدَ

    او مجردَ ان تشعر بطمانينة مِن يمتلك مليون دَولار مِثلها

    اذ انسحقت سحقا وسَط معاناتها

    وخرت صريعة الحسرة والكمدَ بمستشفي كريات يام لشعور طويلة
    وعلي فراشَ المرض عادت مِن جديدَ تقلب فِي ذاكرتها

    وتبعت ما مات مِن احداث مَرة اخري باسلوب صريح واضح

    الي ان فوجئت ذَات مساءَ بالسيدَ "براد" وزوجته جاءا مِن فيينا لزيارتها
    كان اللقاءَ حميما مشحونا باللهفة

    والشجن

    والدموع
    هما يبكيان فقدَ موشيه وسارة

    وهي تبكي حظها العاثر وانجرافها بسَبب الحب الي بحر يتعاظم بالكابة والضياع

    طلبا مِنها ان ترافقهما الي النمسا فتهللت فرحا

    لكن السلطات الامنية رفضت خروجها مِن اسرائيل حفاظا علي حياتها
    ومع بِداية غزو لبنان فِي يونيو 1982 فِي محاولة شَبه جادة لدحر الوحدة والملل
    افتتحت امينة عيادة خاصة بها فِي المستوطنة الَّتِي يقطنها 22 الف يهودي حتّى إذا ما مرب بها ستة اشهر تقريبا انفجرت حياتها الما وانينا عندما استمعت الي اذاعة لبنانية

    اذاعت مقتطفات عَن سيرة حياتها

    وكيف مات ابوها بسببها وفقدت امها النطق
    ومنذُ تلك اللحظة قررت ان تري امها

    وتحت اخطر الظروف واصعبها

    تقول فِي مذكراتها: "ندمت

    وصرخت فِي وجه الضباط الموسادَ بذلِك

    فابوا ان ينصتوا لِي

    اعتقدوا بانني اهذي لفرط توتري

    لكنني اكدتها مرات ومرات

    ونقطت بالشهادتين أمامهم فما صدقوني

    ولما علمت بموت والدي حزنا

    لم تعدَ لدي ادني رغبة فِي ان اعيشَ بَعدَ ذلِك

    فذهبت لمبني الموسادَ وقابلت الرئيس الجديدَ ناحوم ادوني

    وطلبت مِنه ان يحقق رغبتي فِي العودة الي عمان

    علي ان يتدخل الملك حسين شَخصيا ليشفع لِي عِندَ اهلي

    وتركت للملك رسالة قلت فيها انني كنت وراءَ كشف محاولة اغتياله فِي الرباط
    ووعدني الرئيس بانه سيابشر اتصالاتهباصدقائه فِي الاردن علي الفور
    ظلت امينة تنتظر الردَ

    وطال الانتظار القاتل يفتك بمجامعها حتّى غلبها الياس

    واستنزفها الضجر

    وبعدَ ثلاثة اشهر أو يزيدَ

    زارها ضابط الموسادَ حمل اليها نبا رفض اهلها عودتها اليهم

    فلما كذبته اخرج لَها شَريط كاسيت ارتجف بدنها وهي تتسلمه
    وما سجل علي الشريط كَان يفوق احتمالها

    فاسرتها بالكامل والدتها واشقاؤها واعمامها واخوالها تمنوا لَها الموت علي الا تطا الارض الاردنية بقدميها

    هكذا القيت امينة ببحر حالك بلا مرفا

    فتاهت بَين مده وجزره تتخبط ما بَين السطح والقاع
    النِهاية وفي مطلع عام 1984 نشرت مجلة "بمحانية" العسكرية الاسرائيلية خبرا صغيرا يقول ان وزير الدفاع اصدر قرارا بصرف معاشَ دَائم للمقدم اني موشيه بيرادَ الَّتِي تصدرت لوحة الشرف بمدخل مبني الموساد
    وهي لوحة تضم اسماءَ امهر العملاءَ "ويطلق عَليهم الاصدقاء" الَّذِين اخلصوا لاسرائيل

    وقدموا اليها معلومات عَن اعدائها ساعدت علي احراز انتصارات عظيمة

    اما عَن نِهاية امينة المفتي فقدَ قيلت روايات عديدة فِي ذلك: احدي الروايات تؤكدَ بأنها حصلت علي وثيقة سفر اميركية باسم جديدَ

    وتعيشَ الآن بولاية تكساس حيثُ تمتلك مزرعة واسعة
    وتزوجت مِن بحار اسباني ولم تنجب
    رواية ثانية تزعم بأنها اجرت تعديلات بوجهها بمعرفة الموسادَ

    وتعيشَ بجنوب افريقيا منذُ عام 1985 تَحْت اسم مزيف

    وتعمل فِي الاستيرادَ والتصدير
    وانجبت ولدا مِن ضابط روماني اسمته موشيه
    ورواية ثالثة تقول أنها انتحرت بحقنة هواءَ دَاخِل حجرتها بقسم الامراض العصبية بمستشفي تل هاشومير
    وهو مستشفي يعدَ مِن اكبر مستشفيات اسرائيل
    ويقع بحي راق فِي منطقة يطلق عَليها: تل لتفنسكي
    ثم عدل اسمها ليصبح تل هاشومير
    وباعتقادي أنا مِن خِلال تشريحي لشخصية امينة المفتي لا اظن أنها انتحرت

    فَهي وان كَان قَدَ جبلت علي العدوانية مَع الاخرين لَن تَكون عدوانية مَع نفْسها مطلقا
    ذلِك لأنها تحب الحيآة

    وتعشق اللهو

    وتبحث عَن المغامَرة
    وامرآة بمثل مواصفاتها وبحوزتها مليون دَولار لَن تقدم علي الموت بسهولة لأنها اختارت طريق الخيانة منذُ سافرت الي النمسا لاول مَرة

    فقدَ عرفت وقْتها كَيف تخون اهلها ودينها بالشذوذ والجنس مَع حبيبها اليهودي الَّذِي منحته جسدها بلا ادني ندم

    علي كُل حال

    تلك مجردَ روايات غَير مؤكدة

    واقربها الي عقلي أنها لا زالت تعيشَ دَاخِل اسرائيل كغيرها مِن عشرات الجواسيس العرب الَّذِين خانوا بلادهم وعملوا لصالح الموسادَ

    ولن اقيس نهايتها كنِهاية الطيار المصري الَّذِي سبق ان هرب لاسرائيل عام 1965 بطائرته
    ثم بدل ملامحه وسافر للعيشَ فِي بيونس ايرس بالارجنتين

    فهُناك تباين بَين الحالتين ولا وجه للمقارنة بينهما أو لظروف كُل مِنهما

    فامينة المفتي اجبن مِن ان تغامر وتغادر اسرائيل

    بل اجبن مِن ان تتجول فِي تل ابيب أو القدس نهارا وعلي الملا

    ويكفي أنها اختارت لاقامتها مستوطنة يهودية محصنة خوفا مِن ان تطولها يدَ عربية فِي يوم مِن الايام
    وسواءَ غادرت الخائنة اسرائيل ام لا زالت بها
    فَهي الآن عجوز تعدت الواحدَ والستين عاما

    تاريخها فِي الخيانة علي صفحات التاريخ لَن ينسى ابدا

    وقصتها مَع التجسس ستظل عبرة علي مر الزمان

    ذلِك لأنها اشهر جاسوسة عربية للموسادَ حتّى اليَوم

    انتهي بحدَ السيف تجتث الرقاب *****ولا يجدي مَع البغي العتاب ----------------
    انتهت القصة
    ..............
    تقبلوا تحياتي اخوكم الريس

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    الدولة
    السحاب
    المشاركات
    7,919

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    الله يخل الريس
    سعادة الريس والله ماقصرت وسلم على ابو الهول

    ياولد فصلت الاتصال وسرى ليلي على هذه القصه
    الغريبه الرائعه والاروع منها تحليلاتك وكتاباتك والله من سهل

    غريبه عجيبه تفوووق الخيال /// الف الف الف شكر لك اخوي الريس

    تسلم والله لاهنت اخوووي والله انصح الاخوان بقراءتها كامله ///


    تقبل كل الحب والتحاياااااااااااا العاطره اخوك الصغير برق الوســــم
    حذفنا التوقيع
    مالووو داعــي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    الدولة
    الـــ ع ـــيـــن ,,
    المشاركات
    2,165

    Arrow رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    اخي العزيز // الريس

    القصه لَم اقرائها الي الان
    .
    ولكن لخوفي مِن انني انساها ثبتها بالكامل

    ولي عوده باذن الله
    .
    عوده حقيقيه !


    تحياتي لك ولما تنقله ولما تخطه اناملك


    دمت بخير وعافيه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    في قلب ديالى
    المشاركات
    87

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    مرحبا أخوي محمد

    وأمانة يشرفني مرورك ياذيبان

    لك تقديري واحترامي

    أخوك الريس

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    4

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    شكرا شَكرا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    4

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    شكرا شَكرا شَكرا شَكرا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    الولايات المتحده
    المشاركات
    355

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    اشكرك اخوي الريس

    لاهنت يالغالي

    تقبل تحياتي

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    891

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    قرات سطر مِن القصه بتاريخ 1/9/2008وبتاريخ 1/9/2010اوافيكم بتعليقي علي القصه انشاءَ الله


    اشكرك علي القصه
    ...
    مقدما قَبل تاريخ 2010.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    2

    رد: القصه الكامله(للجاسوسه امينه المفتي الحلقه الاخيره

    بارك الله فيك امتعتني باحدي القصص الرائعة والَّتِي ان دَلت إنما تدل علي مايَجب علينا دَراسته عَن عدونا الابدي الَّذِي لايؤمن لَه وعدَ أو عهدَ اوسلام كَما انبانا العلي القدير فِي محكم اياته وعسي ان تَكون تلك القصة رادعة لكُل مِن تسول لَه نفْسه فِي التخلي عَن ايمانه وعروبته ودينه ادام الله عليك العزة والصحة وسعة الاطلاع

المواضيع المتشابهه

  1. القصه الكامله (للجاسوسه أمينه المفتي) الحلقه الثانيه
    بواسطة الريس في المنتدى منتدى الحمادين للحوار العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01/02/2007 - February 1st, 07:37 PM

Visitors found this page by searching for:

ط§ظ…ظٹظ†ظ‡ ط§ظ„ظ…ظپطھظٹ ط§ظ„ظ‚طµظ‡ ظƒط§ظ…ظ„ظ‡

ظ‚طµط© ط§ط¹طھط±ط§ظپط§طھ ط§ظ…ظٹظ†ط© ط§ظ„ظ…ظپطھظٹ ط§ظ„ط¬ط§ط³ظˆط³ط© ط§ظ„

SEO Blog

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع