بسم الله الرحمن الرحيم

سوفَ نتكلم يوميا عَن صحابي مِن صحابة رسول الله صلي الله عَليه وسلم

وسوفَ ابدا بالخلفاءَ الراشدين رضوان الله عَليهم اجمعين
..


::: ابو بكر الصديق ::

اسمه ونسبه
هو عبدَ الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعدَ بن تيم بن مَرة بن كعب بن لؤي القرشي التميمي
كنيته: ابو بكر
ولقبه الصديق
وكنية ابيه ابو قحافة
وامه هي: ام الخير سلمي بنت صخر بن كعب بن سعدَ التميمية بنت عم ابي قحافة
وكان ابو بكر يسمي ايضا: عتيقا
وقيل ان سَبب هَذه التسمية ان النبي صلي الله عَليه وسلم قال له: أنت عتيق مِن النار)
وقيل أنه سمي كذلِك لحسن وجهه وجماله
ولقب بالصديق لتصديقه بِكُل ما جاءَ بِه النبي(صلي الله عَليه وسلم وخاصة تصديقه لحديث الاسراءَ وقدَ انكرته قريشَ كلها
وابو بكر الصديق أفضل الامة مكانة ومنزلة بَعدَ رسول الله صلي الله عَليه وسلم فَهو أول مِن اسلم مِن الرجال
وهو رفيق الرسول صلي الله عَليه وسلم فِي هجرته
وخليفته علي المسلمين
يقول حسان بن ثابت فِي حقه:

اذا تذكرت شَجوا مِن اخي ثقة = فاذكر اخاك ابا بكر بما فعلا
خير البرية اتقاها واعدلها = بَعدَ النبي واوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمودَ مشهده = واول الناس مِنهم صدق الرسلا

اسلامه:
كان ابو بكر مِن رؤساءَ قريشَ وعقلائها
وكان قَدَ سمع مِن ورقة بن نوفل وغيره مِن اصحاب العلم بالكتب السابقة ان نبيا سوفَ يبعث فِي جزيرة العرب
وتاكدَ ذلِك لديه فِي احدي رحلاته الي اليمن حيثُ لقي هنالك شَيخا عالما مِن الازدَ فحدثه ذلِك الشيخ عَن النبي المنتظر وعن علاماته
فلما عادَ الي مكة اسرع اليه سادة قريش: عقبة بن ابي معيط
وعتبة
وشيبة
وابو جهل
وابو البختري بن هشام
فلما راهم قال لهم: هَل نابتكم نائبة قالوا: يا ابا بكر قَدَ عظم الخطب
يتيم ابي طالب يزعم أنه نبي مرسل ولولا أنت ما انتظرنا بِه فاذا قَدَ جئت فانت الغاية والكفاية
فذهب اليه ابو بكر وساله عَن خبره
فحكي لَه النبي صلي الله عَليه وسلم ما حدث ودعاه الي الاسلام فاسلم مباشرة
وعادَ وهو يقول: " لقدَ انصرفت وما بَين لابتيها اشدَ سرورا مِن رسول الله صلي الله عَليه وسلم باسلامي"
وكان ابو بكر أول مِن اسلم مِن الرجال.

هجرته:
لما اذن الله عز وجل لنبيه بالهجرة الي المدينة امر النبي(صلي الله عَليه وسلم اصحابه ان يهاجروا
وجعل ابو بكر يستاذنه فِي الهجرة والنبي صلي الله عَليه وسلم يمهله ويقول له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا)
حتي نزل جبريل علي النبي صلي الله عَليه وسلم واخبره ان قريشا قَدَ خططت لقتله
وامَره الا يبيت ليلته بمكة وان يخرج مِنها مهاجرا
فخرج النبي صلي الله عَليه وسلم وفتيان قريشَ وفرسأنها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه ولكن الله اخذ ابصارهم فلم يروه
وتناول النبي صلي الله عَليه وسلم حفنة مِن التراب فنثرها علي رؤوسهم وهم لا يشعرون
وذهب صلي الله عَليه وسلم الي بيت ابي بكر{وكان نائما فايقظه- واخبره ان الله قَدَ اذن لَه فِي الهجرة
تقول عائشة: " لقدَ رايت ابا بكر عندها يبكي مِن الفرح "
ثم خرجا فاختفيا فِي غار ثور
واجتهدَ المشركون فِي طلبهما حتّى شَارفوا الغار
وقال ابو بكر: لَو ان احدهم نظر تَحْت قدميه لابصرنا فقال لَه النبي صلي الله عَليه وسلم): فما ظنك باثنين الله ثالثهما !).

جهاده:
كان ابو بكر رفيق النبي صلي الله عَليه وسلم فِي جهاده كله
فشهدَ معه بدرا واشار علي النبي صلي الله عَليه وسلم ان يبني لَه المسلمون عريشا يراقب مِن خِلاله المعركة ويوجه الجنود
وقدَ استبقي النبي صلي الله عَليه وسلم ابا بكر معه فِي هَذا العريش
وكان النبي يرفع يديه الي السماءَ ويدعو ربه قائلا: اللهم ان تهلك هَذه العصابة لا تعبدَ فيقول لَه ابو بكر: " يا رسول الله بَعض مناشدتك ربك فإن الله موفيك ما وعدك مِن نصره
وشهدَ ابو بكر احدا وكان ممن ثبتوا مَع النبي(صلي الله عَليه وسلم حين انكشف المسلمون وشهدَ الخندق والحديبية والمشاهدَ كلها لَم يتخلف عَن النبي فِي موقعة واحدة
ودفع اليه النبي صلي الله عَليه وسلم رايته العظمي يوم تبوك
وكان ابو بكر ممن ثبتوا يوم حنين حينما هزم المسلمون فِي بدء المعركة.

روايته:
كان ابو بكر أكثر الصحابة ملازمة للرسول صلي الله عَليه وسلم واسمعهم لاحاديثه
وقدَ روي عَن النبي صلي الله عَليه وسلم احاديث كثِيرة
وروي عَن ابي بكر كثِير مِن الصحابة مِنهم: عمر بن الخطاب
وعثمان بن عفان
وعلي بن ابي طالب
وعبدَ الرحمن بن عوف
وحذيفة بن اليمان
وعبدَ الله بن مسعود
وعبدَ الله بن عمر
وعبدَ الله بن عباس
وزيدَ بن ثابت رضي الله عنهم اجمعين--
ومما رواه علي قال: حدثني ابو بكر وصدق ابو بكر- ان النبي(صلي الله عَليه وسلم قال: ما مِن عبدَ يذنب ذنبا فيتوضا فيحسن الوضوء ثُم يصلي ركعتين فيستغفر الله الا غفر له).

اعمال ابي بكر الصديق ومواقفه:


لابي بكر الصديق رضي الله عنه مواقف واعمال عظيمة فِي نصرة الاسلام مِنها:
انفاقه كثِيرا مِن امواله فِي سبيل الله
ولذا قال النبي(صلي الله عَليه وسلم): ما نفعني مال قط مِثلما نفعني مال ابي بكر)
فبكي ابو بكر وقال " وهل أنا ومالي الا لك يا رسول الله " رواه احمدَ والترمذي وابن ماجة)
وقدَ اعتق ابو بكر مِن ماله الخاص سبعة مِن العبيدَ اسلموا
وكانوا يعذبون بسَبب اسلامهم مِنهم بلال بن رباح
وعامر بن فهيرة

عندما مرض النبي صلي الله عَليه وسلم قال لمن حوله: مروا ابا بكر فليصل بالناس)
فقالت عائشة: يا رسول الله لَو امرت غَيره
فقال: لا ينبغي لقوم فيهم ابو بكر ان يؤمهم غَيره)
وقال علي بن ابي طالب: قدم رسول الله صلي الله عَليه وسلم ابا بكر
فصلي بالناس
واني لشاهدَ غَير غائب
واني لصحيح غَير مريض
ولو شَاءَ ان يقدمني لقدمنى
فرضينا لدنيانا مِن رضيه الله ورسوله لديننا.

عندما قبض النبي صلي الله عَليه وسلم فتن الناس حتّى ان عمر بن الخطاب قال: ان رسول الله لَم يمت
ولا يتكلم أحدَ بهَذا الا ضربته بسيفي هذا
فدخل ابو بكر
وسمع مقالة عمر
فوقف وقال قولته الشهيرة:

ايها الناس مِن كَان يعبدَ محمدا فإن محمدا قَدَ مات

ومن كَان يعبدَ الله فإن الله حي لا يموت



بعدَ مبايعة ابي بكر بالخلافة
اصر علي انفاذ جيشَ اسامة
الذي كَان النبي(صلي الله عَليه وسلم قَدَ جهزه
وولي عَليه اسامة بن زيد
وكان فريق مِن الصحابة مِنهم عمر
قدَ ذهبوا لابي بكر
وقالوا له: ان العرب قَدَ انتفضت عليك
فلا تفرق المسلمين عنك
فقال: والذي نفْسي بيده لَو علمت ان السباع تاكلني بهَذه القرية لانفذت هَذا البعث الَّذِي امر الرسول بانفاذه
ولا احل لواءا عقده رسول الله صلي الله عَليه وسلم بيده
واتخذ الجيشَ سبيله الي الشام تَحْت امَرة اسامة.


واجه ابو بكر فِي بدء خلافتة محنة كبرى
تمثلت فِي ردة كثِير مِن قبائل العرب عَن الاسلام بَعدَ وفآة النبي(صلي الله عَليه وسلم)
ومنعت بَعض القبائل زكآة اموالها
وامام هَذه الردة
جهز ابو بكر الجيش
وقرر حرب المرتدين جميعا
واعتزم ان يخرج بنفسه علي قيادة الجيش
غير ان علي بن ابي طالب لقيه
وقدَ تجهز للخروج
فقال له: الي أين يا خليفة رسول الله ضم سيفك
ولا تفجعنا بنفسك
فو الله لئن اصبنا بك ما يَكون للاسلام بَعدك نظام ابدا
فرجع ابو بكر
وولي خالدا علي الجيش
وسار خالدَ فقضي علي ردة طليحة الاسدي ومن معه مِن بني اسدَ وفزارة
ثم توجه الي اليمامة لحرب مسيلمة بن خسر ومن معه مِن بني حنيفة
وكان يوم اليمامة يوما خالدا
كتب الله فيه النصر لدينه
وقتل مسيلمة
وتفرق جنوده ومضي المسلمون يخمدون نار الفتنة والردة حتّى اطفاها الله
ثم استمر جيشَ خالدَ فِي زحفه حتّى حقق نصرا عظيما علي الروم فِي معركة اليرموك



اقوال ابي بكر الصديق:
كان ابو بكر إذا مدحه أحدَ قال: " اللهم أنت اعلم بي مِن نفْسي وانا اعلم بنفسي مِنهم
اللهم اجعلني خيرا مما يظنون
واغفر لِي ما لا يعلمون
ولا تؤاخذني بما يقولون ".

لما بايعه الناس خليفة للرسول صلي الله عَليه وسلم)
خطب فيهم
فقال: " اما بَعدَ ايها الناس
فاني قَدَ وليت عليكم
ولست بخيركم
فان احسنت فاعينوني
وان اخطات فقوموني
ولا تاخذكم فِي الله لومة لائم
الا ان الضعيف فيكم هُو القوي عندنا حتّى ناخذ لَه بحقه
والقوي فيكم ضعيف عندنا حتّى ناخذ الحق مِنه طائعا أو كارها
اطيعوني ما اطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لِي عليكم ".

عندما امتنع بَعض المسلمين عَن اداءَ الزكاة
قرر ابو بكر قتالهم
فذهب عمر اليه وقال له: " كَيف تقاتلهم
وقدَ قال النبي صلي الله عَليه وسلم): امرت ان اقاتل الناس
حتي يشهدوا ان لا اله الا الله
فان قالوا ذلِك عصموا مني دَماءهم
واموالهم الا بحقها
وحسابهم علي الله)
فقال ابو بكر: "والله لاقاتلن مِن فرق بَين الصلآة والزكاة
فان الزكآة مِن حق الله
والله لَو مَنعوني عقالا كَانوا يؤدونه الي رسول الله صلي الله عَليه وسلم)
لقاتلتهم علي مَنعه
قال عمر: " فلما رايت ان الله شَرح صدر ابي بكر للقتال
عرفت ان الحق معه"


من مواعظ الصديق:
ان العبدَ إذا دَخله العجب بشيء مِن زينة الدنيا مقته الله تعالي حتّى يفارق تلك الزينة.
يا معشر المسلمين استيحوا مِن الله
فو الَّذِي نفْسي بيده اني لاظل حين اذهب الي الغائط فِي الفضاءَ متقنعا حياءَ مِن الله.

اكيس الكيس التقوى
واحمق الحمق الفجور
واصدق الصدق الامانة
واكذب الكذب الخيانة

وكان ياخذ بطرف لسانه ويقول: " هَذا الَّذِي اوردني المواردَ ".

اعلموا عبادَ الله ان الله قَدَ ارتهن بحقه انفسكم
واخذ علي ذلِك مواثيقكم واشتري منكم القليل الفاني بالكثير الباقي
وهَذا كتاب الله فيكم
لا تفني عجائبه
فصدقوا قوله
وانصحوا كتابته
واستضيئوا مِنه ليوم الظلمة


قبل موته دَعا عمر بن الخطاب وقال له: " اني مستخلفك علي اصحاب رسول الله...
يا عمر: ان لله حقا فِي الليل لا يقبله فِي النهار
وحقا فِي النهار لا يقبله فِي الليل
وأنها لا تقبل نافلة حتّى تؤدي الفريضة
وإنما ثقلت موازين مِن ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عَليه
وحق لميزان لا يوضع فيه الا الحق غدا ان يَكون ثقيلا
وإنما خفت موازين مِن خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل
وحق لميزان لا يوضع فيه الا الباطل ان يَكون خفيفا
يا عمر إنما نزلت اية الرخاءَ مَع اية الشدة
واية الشدة مَع اية الرخاءَ ليَكون المؤمن راغبا راهبا
فلا ترغب رغبة فتتمني علي الله ما ليس لك
ولا ترهب رهبة تلقي فيها ما بيديك
يا عمر إنما ذكر الله اهل النار باسوا اعمالهم وردَ عَليهم ما كَان مِن حسن فاذا ذكرتهم قلت: اني لارجوا الا اكون مِن هؤلاء
وإنما ذكر الله اهل الجنة باحسن اعمالهم لانه تجاوز لَهُم ما كَان مِن سيء فاذا ذكرتهم قلت: أي عمل مِن اعمالهم اعمل فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب احب اليك مِن الموت
وهو نازل بك
وان ضيعت وصيتي فلا يكن غائب اكره اليك مِن الموت
ولست تعجزه ".

وفآة ابي بكر الصديق:

لما احس ابو بكر بقرب اجله
شاور بَعض كبار الصحابة سرا فِي ان يولي عمر بن الخطاب الخلافة مِن بَعده فرحبوا جميعا
غير ان بَعضهم اعترض علي غلظة عمر
فقال ابو بكر: " نعم الوالي عمر
اما أنه لا يقوي عَليهم غَيره
وما هُو بخير لَه ان يلي امر امة محمد
ان عمر راي لينا فاشتد
ولو كَان واليا للان لاهل اللين علي اهل الريب "
ثم امر ابو بكر عثمان فكتب كتابا باستخلاف عمر.




توفي ابو بكر رضي الله عنه فِي شَهر جمادي الاخرة سنة ثلاث عشرة مِن الهجرة
قيل يوم الجمعة لسبع بقين مِن جمادي الاخرة
وقيل مساءَ ليلة الثلاثاءَ لثمان بقين مِن جمادي الاخرة
وصلي عَليه عمر بن الخطاب
وكان ابو بكر قَدَ ولدَ بَعدَ النبي(صلي الله عَليه وسلم بسنتين واشهر
ومات بَعده بسنتين واشهر مستوفيا ثلاثة وستين عاما
وهو نفْس العمر الَّذِي مات عنه النبي(صلي الله عَليه وسلم)
واستمرت خلافة ابي بكر سنتين وثلاثة اشهر واياما
قال عمر فِي حقه: رحمة الله علي ابي بكر
لقدَ اتعب مِن بَعده تعبا شَديدا.
وقدَ رثاه علي بن ابي طالب يوم موته بِكُلام طويل مِنه: " رحمك الله يا ابا بكر
كنت الف رسول الله صلي الله عَليه وسلم وانيسه ومكان راحته
وموضع سره ومشاورته
وكنت أول القوم اسلاما
واخلصهم ايمانا
واحسنهم صحبة
واكثرهم مناقب وافضلهم سوابق
واشرفهم منزلة
وارفعهم دَرجة
واقربهم وسيلة
واشبههم برسول الله هديا وسمتا..
سماك الله فِي تنزيله صديقا فقال: والذي جاءَ بالصدق وصدق بِه فالذي جاءَ بالصدق محمدَ صلي الله عَليه وسلم والذي صدق بِه ابو بكر
واسيته حين بخل الناس
وقمت معه علي المكاره حين قعدوا
وصحبته فِي الشدة اكرم صحبة
وخلفته فِي دَينه احسن الخلافة
وقمت بالامر كَما لَم يقم بِه خليفة نبي...".